الحديث عن منشأة وطنية كميناء عدن، ليس استحضاراً كمرفق بحري وخدمي فقط، بل يعني أننا أمام عملاق اقتصادي ذي مجدٍ عريق، ومرفق تنموي ذي مورد سيادي مُستدام، تشكّل عبر الزمن ليكون أحد أهم المرتكزات السيادية والتنموية الخالدة، بل بوابة عبور عالمية تتقاطع عندها خطوط الطول التجارية ودوائر العرض الاقتصادية، وتجلت أمامها ميزات تجارية وإستراتيجية وأبعاد اقتصادية ذات أثر.
وما يشهده ميناء عدن الدولي اليوم من حراك تنموي ملحوظ في تحسين حركة الملاحة البحرية، وما يقدمه من خدمات لوجستية، لا يُمكن قراءته بمعزل عن كونه مؤشراً لمرحلة مفصلية، تُعيد تحريك عجلة التنمية المستدامة، لبناء ونهضة الوطن بشكل عام، واستعادة الدور الاقتصادي والريادي للعاصمة عدن بشكل خاص، باعتبارها مركزاً تجارياً محورياً في المنطقة.
مشروع تطوير مداخل ميناء عدن (المرحلة الثانية)، الذي دشنه مؤخراً وزير النقل الأستاذ محسن حيدرة العمري، ومعه الدكتور محمد علوي امزربة رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن، يُعد من المشاريع الإستراتيجية التنموية المستدامة الخاصة بالبنى التحتية لمرافق الوطن، ومن المشاريع التي ينعكس أثرها سريعاً في حال تم التنفيذ والاهتمام بجودة العمل فيه. بل ويبقى بصمة ناصعة، بل (ضربة مُعلّم) لمنفذه الربان معالي الوزير العمري، ونتمنى ان يتم تنفيذ هذا المشروع الرائد والعمل عليه وفق المعايير الإنشائية والفنية، وجعله أنموذجا للمشاريع الاستراتيجية، كونه سيرفد الميناء بموارد إضافية وسيعزز من القدرة التشغيلية، ويرفع الطاقة الاستيعابية للسفن التجارية، وحركة الحاويات، وما يترتب عليها من خدمات ضريبية وجمركية، وغيرها.
يبقى الحديث عن ميناء عدن ذا شجون وفصول من التاريخ، والجغرافيا، والسياسة والأحداث، بوصفه محطة ترانزيت عالمية عابرة للقارات، لتموين السفن، وتفريغ وإعادة شحن الحاويات، والعديد من الخدمات البحرية اللوجستية المتكاملة. غير أن الأهم والرهان الحقيقي ليس هناك وبما مضى، بل على الحاضر والاستشراف للمستقبل المنشود.. حاضر ديناميكي يشهده الميناء ولو تدريجياً، فالتعافي يبدو بطيئاً ولكنه قادر على استعادة القوام، ومستقبل أفضل حافل بالإنجاز والتأثير وتسجيل مؤشرات عالمية كماً ونوعاً لكافة الأنشطة والبرامج والموارد، والخدمات وحجم النشاط التي يعمل عليها الميناء.
المرحلة مفصلية وتتطلب تضافر الجهود، والعمل بروح المسؤولية الوطنية العالية لإعادة الاعتبار للاقتصاد الوطني بشكل عام، والنهوض بكافة المرافق والمنشآت الحكومية. ميناء عدن اليوم يمكن أن يكون نموذجا للنهوض لدى كافة الجهات الحكومية والمرافق العامة، وكلّ في مهامه وتخصصه. فاليوم الميناء في الاتجاه المنشود وإعادة الدور المحوري لهذا المرفق الشامخ والمتجذر حق أصيل ومشروع وطني، وبحاجة إلى حشد كافة الجهود والتعامل بحنكة وذكاء، ورؤية ثاقبة نحو المستقبل المنشود لما هو مُفترض أن يصل إليه هذا العملاق، من تطوير في الخدمات، وتوفير فرص عمل، والتحليق نحو العالمية، التجارية، والاستثمارية، والاقتصادية. فبداية الخير قطرة، والحكمة الصينية تقول (رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة)، ففي حين يكون تحديد الهدف واضحاً والبوصلة ثابتة، فإن الطريق مهما بدأت شاقة وشائكة إلا أنها تقود حتماً إلى النجاح.. فمن آمن بالخير، فليكن من صُناعه.
