بين مقاعد التعليم و الحياة .. إلى أين يتجه الشباب بعد التخرج ؟





14 أكتوبر/ خاص:
استطلاع / مشاعر طارق:
تسكن مرحلة “ما بعد التخرج” مساحة واسعة من القلق لدى طلاب الجامعات والمعاهد في اليمن، حيث تمتزج طموحاتهم بظروف اقتصادية واجتماعية معقدة تجعل المستقبل غامضا في نظر الكثيرين. وبين محدودية الفرص، وضعف التطبيق العملي، وقيود المجتمع، تتشكل صورة مضطربة للمستقبل المهني، تدفع الطلبة للتساؤل: ماذا ينتظرنا بعد الشهادة؟
في هذا الاستطلاع، ننقل صوت مجموعة من الطلبة من تخصصات مختلفة، ليعبروا بوضوح عن مخاوفهم، ويكشفوا جوانب القلق التي ترافقهم قبل مواجهة سوق العمل.
كما نعرض ملامح التحديات التي يرونها واقفة على أبواب مستقبلهم، بين محدودية الفرص وضعف التدريب العملي.
لنقترب أكثر من واقعهم كما يصفونه هم، بلا تزيين ولا مبالغة.
قلة الفرص وضآلة الرواتب
تتحدث مرام احمد، وهي طالبة في المستوى الرابع انجليزي بجامعة المهرة، بقلق واضح عن واقع التوظيف الحالي وتقول : “ المستقبل في اليمن معدوم، اكثر ما يجعلني أخاف هو أن فرص العمل قليلة وإن وجدت فالرواتب لا تنصف المعلمين ولا تعكس التعب الذي يبذله “ .و ترى أن المستقبل في اليمن يزداد صعوبة يوماً بعد يوم فغياب الفرص وقلة الرواتب يجعل الطالب يقف أمام واقع لا ينصف جهده . وتشير وزيرة عبدالله، 20 عامًا، وهي طالبة في المعهد الصحي، أن فرص العمل داخل اليمن “محدودة للغاية”، مؤكدة أن المنافسة تجعل الكثير من الطلاب في حالة ترقّب لما بعد التخرج.
وترى أن هذا يضع الطلاب تحت ضغط مستمر ويجعلهم قلقين بشأن مستقبلهم المهني.
كما تشعر أن محدودية الفرص قد تضطر بعض الخريجين للبحث عن وظائف خارج تخصصهم أو في أماكن أبعد عن المدينة.
العادات والتقاليد
و تقول شيماء عبدالله وهي طالبة في جامعة المهرة في المستوى الرابع فيزياء، أن المجتمع ما يزال يفرض قيوداً واضحة على الفتيات سواء في السفر أو العمل .
و تتفق معها اشواق عزيز، طالبة في المستوى الثاني تمريض في المعهد الصحي، حيث ترى أن المجتمع يضع عوائق أمام توظيف الفتيات، وتصف التوتر الذي تشعر به قائلة : “ المجتمع لا يتقبل عملنا كنساء، خصوصاً في الوظائف التي فيها دوام ليلي وهذا الشيء عبء علينا من الآن “ .
وتضيف ريحانة أحمد، طالبة في المعهد الصحي، رؤية أكثر صراحة وتقول:
“العادات والتقاليد تمنع كثيرا من البنات من الشغل، إذا كان في تداخل بين الرجال والنساء، ويعتبرونه (غلط)... وهذه العادات سلبية وتعيق مستقبلنا.”
وترى أن هذه القيود تجعل اختيار الوظيفة صعبًا بالنسبة للفتاة، وتؤثر على طموحها المهني بشكل مباشر
ضخامة الدور والمسؤولية
تصف أفنان كمال، طالبة في المستوى الثاني مساعد طبيب، بالمعهد الصحي، بقلق: “أخاف من المسؤولية… أو أن أقع في خطأ طبي يؤذي المريض.” وترى أن أي خطأ مهما كان صغيرًا قد يؤثر بشكل كبير على حياة المريض. هذا يجعلها حذرة ومركّزة دائمًا أثناء كل خطوة عملية. كما تشعر بأن هذه المسؤولية الكبيرة تفرض عليها التفكير مرتين قبل كل قرار مهني .
و يؤكد زكريا توفيق - وايضاً يدرس مساعد طبيب في المعهد الصحي- أن الخوف من المسؤولية لا يتعلق بالدراسة فقط بل بالتعامل اليومي مع حياة الناس مضيفاً أن أي تصرف خطأ في المهنة قد يغير مصير مريض بالكامل ويصف المريض أيضاً بكونه لا يقبل الخطأ .
و توافقهم الرأي آية المعلم وهي طالبة في المستوى الرابع فيزياء بجامعة المهرة، ان مرحلة ما بعد الجامعه تشبه “ حالة ضياع “ فالخريج يجد نفسه أمام مسؤوليات كبيرة، وتضيف قائلة : “ كوني مربية للجيل القادم يعني أن المسؤولية مضاعفة“ .
ويشير سالم بن محيسن، طالب في قسم الاعلام بجامعه المهرة إلى أن بعض مخاوف طلاب الإعلام بعد التخرج لا تتعلق بالوظيفة فقط، بل بطبيعة المسؤولية المهنية نفسها.
ويرى أن التسرع في النشر أو ضعف التحقق قد يؤدي إلى أخطاء مهنية تمس مصداقية الإعلامي، أو تؤثر على ثقة الجمهور.
كما يلفت إلى أن الانحياز أو تجاهل أخلاقيات المهنة قد يضع الصحفي أمام تحديات أخلاقية وقانونية، ما يجعل الالتزام بالدقة والحياد ضرورة أساسية في العمل الإعلامي.
غياب التطبيق الفعلي
توضح حفصة فائز، طالبة في المعهد الصحي، أن مشكلتهم لا تتعلق بقيمة الدراسة، بل بغياب التدريب، وتقول: “دراستنا كلها نظري، مافيش تطبيق عملي نقدر نعتمد عليه ويقوي قدراتنا.” وترى أن هذا يجعل الطالب يدخل سوق العمل غير جاهز بالكامل. كما تشعر أن التطبيق العملي كان سيعطيهم ثقة أكبر ويجعلهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات المهنية.
و ترى مروى صالح، تمريض المستوى الثاني بالمعهد الصحي، أن الأمر يتجاوز الضعف ليصل إلى فجوة في التأهيل، وتشرح بأن: “ اغلب دراستنا بدون تدريب، نحتاج تطبيقا عمليا فعليا يساعدنا لنثق بأنفسنا قبل أن نخرج لسوق العمل “ .
ضعف الاعتراف
وتعود شيماء عبدالله لطرح نقطة تُعد من أبرز ما يقلق الطلّاب الراغبين في العمل خارج اليمن، إذ تقول:
“احتمال كبير إن الشهادة اليمنية ما يعتمدونها… وهذا الشيء يعيق علينا كل الفرص.”
وتشرح شيماء أن هذه الإشكالية لا تتوقف عند حدّ القبول الوظيفي، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على قدرة الطالب في الهجرة المهنية أو إكمال الدراسات العليا في الخارج، مما يجعل الخيارات المتاحة أمامه ضيّقة للغاية داخل البلد.
وترى أن هذا العائق يضيف ثقلًا نفسيًّا على الطالب، لأنه يشعر أن جهده الدراسي قد لا يمنحه الفرصة التي يستحقها، رغم الرغبة الكبيرة في تطوير نفسه وفتح آفاق أوسع لمستقبله.
فجوة التخصص والواقع
يشرح أنس عبدالله، طالب في تخصص مساعد طبيب المستوى الثاني بالمعهد الصحي، أن مشكلتهم الأساسية ليست في صعوبة التخصص، بل في عدم وجود وظائف تناسب ما درسوه. ويقول: “الموضوع مش مخاوف… لكن التخصص نفسه معدوم. كثير من خريجي مساعد طبيب يشتغلون في وظائف ما لها علاقة بتخصصنا، واحد يروح صيدلية والثاني ممرض… ندرس أشياء كبيرة وبالنهاية نروح أماكن مش كفؤ لنا.”
حديث أنس يعكس شعوراً عامًا بفوضى التخصصات وضعف ارتباطها بسوق العمل.
و تشير شادية عمر، 20 سنة، طالبة تمريض عام في المعهد الصحي ايضا، إلى نقطة حساسة تتعلق بتطور الأنظمة الصحية، وتقول:
«الخوف كله في التأقلم التقني… الأجهزة تتغير بسرعة، ولازم نواكبها.»
وترى أن فجوة التكنولوجيا قد تجعل الكثير من الطلاب يشعرون بأنهم غير مستعدين لمتطلبات سوق العمل الحديثة .
الثقة رغم الضبابية
ومن واقع أكثر تفاؤلاً يصف الطالب محمد حسين حيمد طالب في قسم الإعلام – المستوى الثالث بجامعة المهرة، رؤيته المستقبلية بهذه الكلمات، أن المخاوف المرتبطة بمستقبل العمل لم تعد بنفس الحدّة التي يشعر بها كثير من الطلاب، خاصة في ظل التحوّل المتسارع نحو العالم الرقمي.
ويؤكد أن هذا التحول أتاح مساحات أوسع للطلاب لتوظيف معارفهم الأكاديمية ومهاراتهم الشخصية في مجالات متعددة، وتحويلها إلى مصادر دخل مستقلة.
كما يشير إلى أن بناء الحضور المهني عبر المنصات الرقمية وتطوير المهارات الإعلامية يمنح الطالب قدرة أكبر على صناعة فرصه بنفسه، بعيدًا عن انتظار الوظيفة التقليدية، ويخفف من القلق المرتبط بمرحلة ما بعد التخرج.
وتتقاطع هذه الرؤية مع رأي فضل عبدالله، طالب في جامعة المهرة، الذي يضيف رؤية أكثر استقلالية عن المسار الوظيفي التقليدي، حيث يؤكد أنه لا يحمل مخاوف مادية أو توظيفية بعد التخرج، ويقول:
«لا توجد لدي مخاوف مادية أو توظيفية، فأنا أمتلك مصادر دخل متعددة، ومهارات تسويقية، وجمهوراً داعماً، ويمكنني العمل في أي مجال إلكتروني خارج إطار تخصصي الجامعي.»
ويرى فضل أن امتلاك المهارات الرقمية وبناء مصادر دخل بديلة يخفف من ضغط انتظار الوظيفة، ويمنح الطالب مرونة أكبر في رسم مستقبله المهني بعيدًا عن القيود التقليدية لسوق العمل المحلي
و تضيف هاجر عبده، مساعد طبيب مستوى ثاني 24 سنة بالمعهد الصحي، بتفاؤل قائلة:
«ما عندي أي مخاوف… عندي مؤهلات، والتخصص اللي درسناه مطلوب أكثر من غيره.»
وتشير إلى أن القطاع الصحي تحديداً يظل قادراً على استيعاب الكفاءات، حتى وسط الظروف الصعبة. وتوضح مريم، طالبة في جامعة المهرة، قسم الكيمياء، أن فتح هذا التخصص جاء أساساً بسبب عدم توافره سابقاً، ولأن عدد الدارسين فيه قليل.
وترى أن هذا الأمر يمنح الطلاب فرصة أفضل في المستقبل، خاصة مع حاجة بعض الجهات لتخصصات علمية نادرة في المحافظة. وتشير إلى أنها تشعر بأن وجود هذا التخصص «يفتح مجالاً للعمل»، حتى إن لم تكن الصورة واضحة تمامًا الآن.
وفي نهاية الاستطلاع يتضح أن الخوف من المستقبل بعد التخرج ليس مجرد شعور عابر، بل نابع من تحديات حقيقية مثل ضعف التدريب العملي، وقلة فرص العمل، والقيود المجتمعية.
ويبدو أن تعزيز التدريب العملي، وتوسيع الفرص المتاحة، وتقديم الدعم والإرشاد المستمر لهم، يمكن أن يخفف من هذه المخاوف ويمنح الطلاب شعورًا أكبر بالثقة والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل بثبات وأمان.
كما أن إشراك الطلاب في برامج توجيهية وتدريبية إضافية قد يساعدهم على اكتشاف مهاراتهم الحقيقية والاستفادة منها بشكل أفضل.
وهذا بدوره يسهم في بناء جيل أكثر قدرة على المساهمة الفاعلة في المجتمع وسوق العمل، رغم الصعوبات الحالية.


