الفرق بين جرثومة المعدة وجرثومة الصهيونية هو أن تأثير الأولى يقتصر على حامل الجرثومة وحده، طبعا دون تناسي العدوى المحتملة، أما الثانية فتصيب المجتمعات كلها دفعة واحدة. هي جرثومة تاريخية تطورت بصورة متواترة حتى بلغت ذروتها الأولى بالانفجار “الخزري” وانتشار العدوى شرقا وغربا. وقد عانت جميع الشعوب الأوروبية تقريبا من ذلك النشاط الجرثومي.
على مر العصور لم تتم معالجة ذلك الداء، لأن العالم - ببساطة - لم يجتهد في البحث عن علاج فعال له كما هو حال جرثومة المعدة. الطامة الكبرى في أنك تشتري الجرثومة الصهيونية بمالك وأنت تتمتع بكل قواك العقلية.
في سبتمبر الماضي قال (نتنياهو): “من يحمل موبايل فهو يحمل قطعة من إسرائيل”. هذه العبارة تلخص حقيقتين: الأولى هي مدى التطور التقني الذي وصلته إسرائيل، ليس بسبب الدعم الأمريكي والغربي فقط، بل وبسبب مثابرتها في البحث العلمي وتخصيص موارد له بلغت عام 2023م %6 من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا تنفق الدول العربية أكثر من 0.1 و0.4 فقط.
أما الحقيقة الثانية فهي أن إسرائيل تتواجد في قلب صناعة الاتصالات العالمية، بمعنى أنها شريكة في صناعة المكونات الأساسية للهواتف النقالة، أي تلك العناصر التي لا يمكن انتزاعها أو تغييرها الا بنفس القطعة او التطبيق.
ولأنك تحمل قطعة من إسرائيل، حسب نتنياهو، فإن هذه القطعة بالتأكيد لا تفقد اتصالها بأصلها (إسرائيل)، أي أنك والقطعة في الزمن الفعلي صرتما شيئا واحدا، وكلاكما تحت أعين الموساد وبقية الأجهزة التجسسية الصهيونية البشرية والسيبرانية.
كلنا لم نعلم هذه الحقيقة إلا بعد عملية البيجر في لبنان. لا يهم إن كنا نحب أو نكره حزب الله أو بقية الجماعات بسبب خصوماتنا، لكن من الأجدر الاعتراف بأننا مكشوفون لدولة الاحتلال، ولسنا وحدنا على كل حال.
في شهر ديسمبر جاءنا مؤشران جديدان بهذا الخصوص. الأول أطلقته غوغل وآبل في 3 ديسمبر 2025، وهو تحذير أمني سيبراني لعملائهما في دول كثيرة، بينها مصر والسعودية، مضمونه أن الشركة الإسرائيلية “إنتليكسا” تستهدف أجهزة غوغل وآبل في هذه الدول ببرمجيات تجسس. هذه الشركة وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية عليها بسبب نشاطها التخريبي في العالم الرقمي إلا أنها تواصل ممارسة تلك الأنشطة. المعلومات تفيد بأن إنذارات الشركتين تشمل أيضا رسائل نصية تحذر من “هجمات مدعومة من دولة”، وبالتالي فإنه ينبغي “التحديث الدائم للأجهزة لتحسين الأمان والخصوصية”.
تتماشى التطبيقات الإسرائيلية الخبيثة مع طبيعة إسرائيل ذاتها باعتبارها جرثومة تنهش جسد العالم، فإذا كنا قد عرفنا برامجها التجسسية التي تسوقها للدول مثل بيجاسوس وغيرها، فإن التحذيرات الجديدة تتحدث عن الاستخدام الإسرائيلي المباشر لتطبيقات أخرى وهي موجهة ضد الكل.
الجديد الأهم اليوم هو مصادقة الكنيست مطلع ديسمبر 2025، على تمديد منح الجيش الإسرائيلي وجهاز (الشاباك) صلاحيات اختراق المواد الحاسوبية المشغلة لكاميرات ثابتة، هذا النشاط التجسسي يشمل كل الدول العربية، بما فيها الصديقة طبعا، وليس فلسطين فقط كما تحاول بعض وسائل الإعلام الإيحاء.
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر أكد على (ضرورة الاهتمام بتأمين وتحديث هواتفهم، إذ إن تحديث الهاتف والتطبيقات باستمرار يعدّ خط الدفاع الأول ضد أي محاولات اختراق). حيث أن أي (تحديث جديد يتضمن إصلاحًا لثغرات قد يستغلها المهاجمون، ولذلك يُفضَّل تفعيل خاصية التحديث التلقائي). ونصح الجهاز المستخدمين بتفعيل إعدادات الأمان المتقدمة المتاحة على هواتفهم...)، ولم نسمع عن تحذيرات مماثلة من جهات عربية أخرى.
هذه ليست الخطورة الأكبر. الخطورة الحقيقية تكمن في أننا كعرب بعيدون تماما عن جوهر المشكلة. علاقتنا المنقطعة بالعصر ولغته وفي مجالات الأمن القومي وعناصره ومفهومه العميق وترابطه كلّ لا يتجزأ. تجربة ربع القرن المنصرمة تخبرنا أننا لسنا في وضع يؤهلنا للرد على التحديات التي تفرضها علينا إسرائيل - وليست وحدها - في مختلف المجالات من الاقتصاد ومختلف عناصر القوة إلى قضية الأمن السيبراني للمؤسسات الحساسة، ناهيك عن الفرد الذي هو مفتاح كل الأبواب المغلقة.
