لسنا أعداء، ولكننا مختلفون.خلقنا الله من نطفة كما خلق سائر الكائنات، وميّز الإنسان بالعقل والتفكير. هذا العقل لم يتشكل عبثا، بل نما وتكوّن عبر ما اكتسبه الإنسان من علم وخبرة وتجارب حياتية، فنتج عن ذلك تنوّع واسع في العقول، وتعدد في الأفكار والمواقف والاختيارات. ومن هذا التنوع نشأت أمة تتباين رؤاها، وتختلف مشاريعها، وتتصادم أحيانا تصوراتها، وهو ما جعلنا اليوم نخوض معركة تبلور الأفكار؛ بحثا عن مسارات سياسية قادرة على استيعاب هذا التعدد وتحويله من صراع إلى مشاريع سياسية قابلة للنقاش والتوافق.إن من يرفض الفكر الآخر، يرفض بالرورة المشروع السياسي المختلف، ويرفض صاحبه كإنسان وشريك في الوطن. ومن هنا يتولد خطاب التخوين والاتهام، ويُستبدل الحوار بالإقصاء، والفكرة بالرصاصة.هذه العقلية الصدامية هي العائق الأكبر أمام أي مخاض سياسي حقيقي؛ لأنها لا تتيح فرصة لتبرير الأفكار أو اختبارها أو تطويرها، ولا تسمح بولادة توافق سياسي يُنتج مشروعا وطنيا يلبي قناعات الجميع أو على الأقل البيتهم. وحين يغيب الحوار، تحضر القوة، وحين يُقصى العقل، يُستدعى العنف، فتتجدد الصراعات وتُفتح أبواب الحروب، ويُجر الجميع إلى مربعات خطيرة لا رابح فيها.إن الاختلاف ليس لعنة، بل سّنة حياة، والخطر الحقيقي ليس في تعدد الأفكار، بل في رفضها، وفي تحويل التنوع من مصدر ثراء إلى وقود صراع. نعم، قد يعي الإنسان خطورة تطرفه لكن غالبا بعد فوات الأوان، لأن العقل حين يتصلّب ويغلق نوافذ المراجعة يتحول من أداة تفكير إلى أداة تبرير.فالتعامل مع الآخر بعقلية صلفة لا يرى إلا ذاته، ولا يحسب حسابا للصالح العام، يفضي بالضرورة إلى جرّ الجميع نحو مربعٍ خطير تتفكك فيه القيم، وتتعطل فيه فرص التعايش، وتُستنزف طاقات المجتمع والوطن. المفارقة المؤلمة أن صاحب هذا الاختيار يكون في الغالب أول الضحايا؛ إذ يخسر محيطه، ويعزل نفسه، ثم يكتشف متأخرا أن ما ظنه انتصارا لم يكن سوى هزيمة مشتركة. فالتطرف لا يحمي الأوطان، بل يفتح أبواب الفوضى، ولا يصنع مستقبلً، بل يراكم الأزمات. والحل يبدأ حن ندرك أن الاختلاف ليس تهديدا، وأن تغليب العقل والحوار والشراكة هو الطريق الوحيد لصون المجتمع، وحماية
لماذا نتقاتل؟!
أخبار متعلقة
