نبض القلم
إن من حكمة الله تعالى بعباده أن جعل لكل شيء سببا، فالله جلت قدرته جعل الناس مفتقرين إلى جلب المنافع ودفع المضار، فاقتضت حكمته أن المنافع والمضار لا تحصل إلا بالسعي في أسبابها الموصلة إليها، أو في أسبابها التي تدفعها، فأصل الأسباب كلها الإيمان والعمل الصالح، وقد جعل الله خيرات الدنيا ونعيم الآخرة، بسبب قيام المرء بهذين الأمرين. فقد جعل التقوى والسعي والحركة سبباً للرزق، قال تعالى: “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب” (الزمر،36) غير أن بعض الناس لا يعملون بالأسباب لذا هم يخفقون في الوصول إلى الغايات المنشودة، معتقدين - خطأ - أن الحظ وحده هو الذي يعلي هذا ويحط من قدر ذاك، وأن طبيعة الإنسان وخصائصه وبيئته هي التي تؤثر في مجرى حياته، بصرف النظر عن جهد الإنسان وسعيه وعمله بالأسباب، لذلك هم يقعدون عن الأسباب، فتأتي النتائج على خلاف ما يريدون، متجاهلين بذلك أن لكل شيء سبباً، سواء في الأمور الدينية أم الدنيوية.وقد جعل الله الإكثار من الدعاء سبباً في الخروج عن كل كرب وضيق وشدة، وجعله سبباً في الحصول على جميع المطالب. قال تعالى: “ادعوني أستجب لكم” (غافر،60) وجعل الإحسان في العمل والعبادة سبباً في القرب من الله والحصول على رضاه. قال تعالى: “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” (الرحمن، 60)، وجعل التوبة والاستغفار سبباً في محو الذنوب. قال تعالى: “وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى” (طه، 82)، وجعل الاستعداد بالقوة لملاقاة العدو سبباً في الحصول على النصر والسلامة والنجاة من شرورهم. قال تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” (الأنفال، 60). وجعل اليسر يتبع العسر في كثير من الحالات، قال تعالى: “إن مع العسر يسرا” وقال تعالى: “سيجعل الله بعد عسر يسرا” (الطلاق، 7). وجعل الشكر سبباً للمزيد من النعم، وكفران النعم سبباً لزوالها، قالت تعالى: “لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد” (إبراهيم، 7) وجعل العدل في الأمور كلها سبباً لصلاح الأحوال وضده سبباً لفسادها واختلالها قال تعالى: “والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان” (الرحمن).وجعل الله القيام بأمور الدين سبباً لتيسير الأمور، وعدم القيام بها سبباً لتعسيرها، قال تعالى: “فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فنيسره للعسرى” (الليل، 10-5) وجعل العلم النافع سبباً للرفعة في الحياة، والارتقاء فيها، قال تعالى: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” (المجادلة، 11)، وجعل مقابلة المسيء بالإحسان سبباً في تحويل العدو إلى صديق، قال تعالى: “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، أدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” (فصلت، 34). وجعل السوابق الحميدة للعبد وتعرفه لربه في حال الرخاء سبباً للنجاة من الشدائد، قال تعالى: “فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون” (الصافات، 144).وجعل الله الجهاد والاستعداد له بالعدة والعتاد سبباً في إخافة العدو والتغلب عليه عند المواجهة، قال تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” (الأنفال، 60).وهكذا فإن الأمور بأسبابها، وما الحرب الجائرة والمدمرة التي شنها العدو الصهيوني على غزة إلا نتيجة للفرقة والتشتت التي عاشتها الأمة العربية وحالة الضعف والوهن التي عانت منها الأمة طوال عقود من الزمن، وإلا ما كان لإسرائيل أن تتجرأ على الهجوم على غزة وقتل أهلها وتدمير منشآتها لو كان العرب متحدين، ولكن صمود أهل غزة الأشاوس أعاد للأمة بعض هيبتها، وجعل قادتها يتراجعون عما كانوا عليه من فرقة وشتات، غير أن قوة الإرادة لدى المقاتلين في غزة وقوة إيمانهم كان سبباً في صمودهم رغم الحصار، وهو ما أبطل مفعول قوة الاحتلال الغاشمة، وسبباً في فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها من الحرب.[c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
