ليس بالضرورة (حكم الدين) بل فهم (المتدينين)
* حسناً .. الخوف من الأغاني يسند إلى فقه خاص بالمتدينين ، وليس هو بالضرورة فقه الدين ، التحريم مسألة يتصدى لها كثر هنا وهناك، ولكن قد لايلزم عن قولهم ضرورة إتباع أو إلزام طالما بقي الأمر مفتوحاً على تعدد الفهوم وتكدس الاجتهادات الفردية الواردة باستمرار .* أن يتصدى نائب في البرلمان .. ممثل لحزبه – للتشنيع بالأغنية والمغني فهذا حقه.. وإن كان الأليق في مقام كهذا أن لايتحول المرء وصاحب التمثيل الاعتباري إلى قاضٍ أو حاكم يبت في الأحكام من دون أن ينتدب إلى قضاياها أو يخول مسؤولية التحريم والتحليل. * ولكن أخطر من ذلك هو أن يتكلف سين أو صادمن الناس التصدي للأغنية ومناسبتها الطارئة – تخصيصاً – من زاوية دينية بحته فهذا شأن لم يكن في يوم من الأيام محل اتفاق أو إجماع على الإطلاق .. وإن حاول البعض تلبيس القضية وإلحق حكمه الشخصي بمقولة (الإجماع) و(اتفاق الأمة).* لست فقيهاً ولا شرعياً، بل ولا أملك معرفة فقهية تخولني تجاذب الجدل – دينياً حتى أن العبدلله لايحاول مجاراة آخرين يستسهلون مفردات التحريم والتحليل أكثر من استسهالهم مبدأ الاستزادة في العلم والاستنارة بموروث ضخم في السيرة الإسلامية يشتمل على اجتهادات قيمة لرجال أعلام ومبرزين في الفنون الشرعية وعلوم الدين .. وخلاصتها جميعاً لاتذهب إلى تحريم أو تحليل الغناء. وكان الأمر دائماً محل تجادل وتجاذب .. وكان هناك قائل بالحرمة مثلما كان هناك قائل بالحل .. وفريق وسط جعل الأمر جائزاً أو قرنه إلى شروط ومقتضيات.على أن الأهم من جدل يجيء ويذهب في مناسبات مختلفة ، هو النظر إلى الجدوى المفترضة أو الضرر المحذور في حالتي الغناء واشتعال هجمة التشنيع والتفسيق ضده والقائلين به. * أما مسألة (الحظر الشرعي) كما يتصورها نائب في البرلمان لم يتجاوز عمره العقد الثالث الا بمشقة ، فهي تظل محل استدراك ومناقشة لأن الراسخين في العلم أولى ، ولأن الرأي أو القناعة الذاتية لا يجب أن تأخذ أكثر من حجمها وقيمتها ، باعتبارها (شخصية) بالمقام الأول ، ومن الإجحاف والمغامرة المحفوفة تحويلها إلى قناعة دينية أو حكم شرعي محروس بالفتوى الملزمة. * ودعونا نأخذ بأنفسنا وعقولنا بعيداً عن رطانة المتحدثين أو نواياهم الخاصة وسلوكياتهم الشخصية فلا يحسن بالعقلاء مصادرة عقولهم لحساب قناعة تخص فلاناً بعينه أو فهماً يحسب لشخص ما أو عليه ، طالما بقي الجميع يحتفظ بحقه في الترجيح وتكوين القناعة والفهم المبني على تجربة معرفية وخبرة علمية ونوعية لاتلغى ولايجب فرض سواها بالقوة والعنف .. الفكري أو المادي. * قرأت ما كتبه أستاذ كلية الشريعة بجامعة الإيمان د. فضل مراد في رسالة منشورة وموجهة إلى الرئيس و(شعب الإيمان).وقد احتوت الرسالة على أوامر مالزمة للرئيس والمحافظين والشعب حيث ظهر الرئيس المنتخب وكأنه يتلقى الاوامر من شيوخ جامعة الايمان الذين لم يتركوا له مجالاً للاستئناف أو الاستثناء أو المخالفة، وفي المقابل أظهر ذلك الشيخ الذي يوجه اوامره للرئيس المنتخب وكأنه متحدث باسم الله وليس باسم نفسه.!!؟ * فماذا يمكن مناقشته بعدما يقال أن أغنية يمكنها أن تفسد أمة وأخلاق شعب بأسرة: وهل هزلت وضعفت الأخلاق والأمة إلى هذه الدرجة من الخذلان بحيث تتهاوى عند أقدام أغنية أو مغنية؟!* ناهيكم عما باشرت الرسالة سرده من تغليظ وتعزير ، والمقام مقام رأي لامقام حكم وفتوى ملزمة ، حتى أن مخاطبة ولي الأمر .. رئيس الجمهورية – جاءت معززة – أو هكذا أرادها الدكتور مراد – بأحكام قطعية تحاول رد التحريم والتحذير والتقريع إلى السماء وكأن الرجل أراد أن يسدباب النقاش والمراجعة بحجة أن ما قاله هو (حكم الله) ولا يقبل المحاججة أو المراجعة.!* هل أراد الدكتور في جامعة الإيمان أن ينصح برأيه ؟ أم يوجب ويفرض ويهدد؟ * ودعوني أسأل رجال الدين والوعاض والخطباء وأهل الدعوة ومن في حكمهم ومستواهم أيهما أشد ضرراً وأفحش إثماً وجرماً : أغنية لهذه أوذاك من الفنانين؟ أم كوما من الأحقاد التي تستبد بالأنفس والقلوب والضمائر؟* في قناعتي أن الأخيرة هي المحرمة قطعاً والمحضورة شرعاً .. ويجب تحذير الناس ورجال الدعوة والعالمين منها لأن ضررها وأثرها يضر بالدين ويمتد بسوئه على الأمة حقاً ، لا افتراضاً. * فلماذا ينسى هؤلاء مفاسداً حقيقية تفتك وتعيث فساداً ، ويجعلون همهم منصباً فقط في محاربة نغم شفاف ، ولحن عذب ، وكلمة في أغنية تطرب وتروح عن النفس؟! * ليتهم حتى اكتفوا بالحث على الفن الملتزم والتحذير من الإسفاف، لقلنا ، إذا ، هو الرأي ، أما ذاك فلا.
