نبض القلم
قال الليث بن سعد: قدمت مكة فالفيت فيها أبا حنيفة فقلت له:ماتقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال : البيع باطل والشرط باطل فأتيت ان أبي ليلى، فسألته: فقال: البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فسألته، فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت في نفسي: سبحان الله، ثلاثة من الفقهاء لا يتفقون في مسألة فقهية واحدة؟!ومن يقرأ كتب الفقه الإسلامي سيجدها مليئة بالكثير من أوجه الاختلاف والاتفاق بين العلماء المجتهدين، وسبب ذلك أن كل عالم منهم اجتهد بحسب مالديه من أدلة وما وصل إلى علمه من أحاديث نبوية او بحسب فهمه لكتاب الله على ضوء فهمه للغة العربية او لثبوت الحديث لديه من عدم ثبوته أو لاختلافهم في حفظ الأحاديث أو اختلافهم في فهمها أو لاختلافهم في قبول الحديث أو رفضه، أو لتفرقهم في الأقاليم الإسلامية مما أدى إلى أن يأخذ كل أهل اقليم بما حفظوه من علماء الصحابة الذين استقروا معهم أو عايشوهم ا احتكوا بهم أو تلقوا العلم على أيديهم فمن العلماء من كان ينظر إلى الصحابي والى فتواه نظريه إلى النص الشعري فيعتبرها حجة منهم من كان يخالف ذلك ومنهم من كان يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية يقدمها على غيرها من النصوص الشرعية ومنهم من كان ينظر إلى راوي الحديث من خلال سلوكه وليس من خلال مروياته ومنهم من كان يخالف ذلك وما إلى ذلك من الاختلافات .ونتيجة لذلك تعددت أوجه الخلاف بين الفقهاء المجتهدين مما أدى إلى تعدد مذاهبهم واتساع مجال الفقه الإسلامي لتتسع لجميع القضايا التي تقتضيها حياة المسلمين لذلك لاغرابة أن نجد كثرة في المذاهب الفقهية الإسلامية قد تصل عند أهل السنة إلى أكثر من ثلاثة عشر مذهباً إلا أن كل عالم منهم بذل جهداً كبيراً قبل أن يصدر حكماً أو يقدم فتوى في أية مسالة فقهية فكان الواحد منهم يتحرى الدقة في حكمه ويتروى قبل أن يصدر فتوى حتى لا يخطئ ولا يتجاوز كلامه كتاب الله وما اثر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) غير أن بعضهم كان يتشكك من بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلا يأخذ بها ومع ذلك تعايشت المذاهب الإسلامية مع بعضها وظل باب الاجتهاد مفتوحاً لسائر المسلمين في كل زمان ومكان، ولم يقم أي من الفقهاء المجتهدين بإلزام المسلمين إتباع مذهبة أو الآخذ بمقولاته أو العمل بموجب فتواه رغم ما أوتي من علم. فهذا الإمام الكبير أبو حنيفة يقول: “ لا يحل لأحد ان يأخذ بقولنا مالم يعلم من أين أخذناه” وهي دعوة صريحة لامعان الرأي فيما يقال، وفيها نهي واضح للتقليد الاعمى. وهذا الإمام الشافعي يقول: “ إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ماقلت “ . قال ذلك لأنه لم يكن قد اطلع على كل الأحاديث المروية عن الرسول، فيخشى ان يكون غيره قد اطلع على أحاديث لم تصل اله، لذا لا يريد ان يلزم احداً الآخذ بما قال. وهذا الإمام احمد بن حنبل يقول مخاطباً آبا داؤد:” لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الوزاعي، وخذ من حيث اخذوا”. ومن اقواله المأثورة: “ من قلة فقه الرجل ان يقلد في دينه الرجال”.ويتضح مما سبق ان فقهاء المسلمين رغم سعة علمهم ومكانتهم فإنهم كانوا يرفضون التقليد الاعمل، حتى لو كان تقليدهم دون سواهم وكانوا جميعهم يعترفون بقصورهم وعجزهم عن الوصول إلى الحقيقة ويقرون بأنهم بم يكونوا سوى مجتهدين والمجتهد قد يخطئ أو يصيب.فإذا كان هذا هو حال العلماء المجتهدين الذين تفرغوا للعمل وبذلوا في سبيله كل جهودهم وأعمارهم فكيف الحال مع بعض شبابنا الذين لاتزال معارفهم بالدين محدودة، وخبرتهم في الحياة قليلة وقدراتهم الاستيعابية ضئيلة وفهمهم للنصوص قاصراً واطلاعهم على كتب الفقه والحديث وأصول الدين منعدماً.فهل يجوز لشاب أن يتعصب لرأي لم يتأكد من صوابه ؟ أو يدعو لفكرة لم تختمر في ذهنه؟ وهل يصح لداعية أن يحرض الناس على عدم قبول فكرة لم يستوعبها بعد؟ وهل يجوز لشاب لا تتعدى ثقافته الدينية سماع بعض الأشرطة أو قراءة بعض الكتيبات التي يتم توزيعها بالمجان أن يتصدر للإفتاء أو الاعتراض على مسائل فقهية لا علم له بأبعادها؟ وهل يصح أن يأخذ الناس في أمور دينهم بأقوال حدث لا يزال هو نفسه بحاجة إلى من يأخذ بيده إلى سواء السبيل؟ أسئلة كثيرة لا نجد لها أجوبة شافيه في هذا الزمن الرديء.لقد كان الناس في الماضي يجلون العلماء ويحترمون الفقهاء ويصغون للحكماء، فلا يأخذون أمور دينهم إلا عن شيوخ فقهاء، ولا يقلدون إلا فقهاء علماء، ولا يستشيرون إلا علماء وحكماء، إما اليوم فإنهم- للأسف- يسمعون لكل زاعق وناعق ويستجيبون لكل صائح ناهق ، ولاحول ولاقوة إلا بالله. * إمام وخطيب جامع الهاشمي – الشيخ عثمان
