نبض القلم
شاءت حكمة الله تعالى أن خلق للإنسان لساناً واحداً وأذنين، ليكون ما يسمعه أكثر مما يقوله، لأن اللسان تعبر عما في الفؤاد، وتنبئ عن خفايا وأسرار النفس. والإنسان لا يمكن أن يكون مالكاً لزمام أمره أو سيد نفسه إلا إذا ملك لسانه.ومما يروى أن رجلاً أرسل ابنه إلى السوق ليشتري له أجود قطعة من اللحم، فذهب الولد وأتى له باللسان، ثم أرسله مرة ثانية ليشتري له أردأ قطعة من اللحم فذهب فأتى له باللسان، وتعجب الأب من تصرفات الابن في المرتين، ثم سأله ما السبب الذي جعلك تأتي باللسان في المرتين؟ قال الولد : اللسان يا أبي هي وراء كل خير ووراء كل شر يفعله الإنسان. فإذا ما أمسكها وتحكم في أمرها جنى من وراء ذلك كل خير، أما إذا أطلقها وتركها تذيع الأسرار أو تثير الأحقاد والضغائن في المجتمع، أو تبث الإشاعات الضارة، فإنها تعود على صاحبها بالشر. لذلك فإن اللسان هي أردأ قطعة في الجسم، وهي كذلك أجود قطعة من اللحم، بحسب استخدام الإنسان لها.قال الأب : صدقت يا بني إن الفرق بين الإنسان العاقل والإنسان الجاهل هو قدرة كل منهما على التحكم بلسانه، فلسان العاقل وراء قلبه، فإن شاء تكلم وإن شاء أمسك، بينما قلب الجاهل وراء لسانه، فيقول كل ما يعرض له سواء بالحق أو بالباطل، بالصدق أو بالكذب، ولو كان في ذلك نشر السوء بين الناس، أوبث الإشاعات في أوساط أفراد المجتمع، لذا على الإنسان أن يمسك لسانه سواء عند الرضا أو عند الغضب فلا يذمنّ شخصاً لأنه يكرهه، أو بينهما عداوة، فإن ذلك منهي عنه في الإسلام لأنه من باب (القيل والقال) الذي نهى عنه رسول الله صلى الله وعليه وسلم في الحديث الشريف الذي جاء في البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة والقيل والقال هو الكلام الذي يتناقله الناس في مجالسهم أو منتدياتهم من غير تدبر ولا تبين لحقيقته.والقيل والقال منهي عنه في الإسلام لأنه يؤدي إلى شيوع الإشاعة، ويساعد على انتشارها بين الناس بالحق أو بالباطل. والإشاعة إذا ما انتشرت في المجتمع فإنها تعصف به عصفاً، وتضر بالوحدة الوطنية، وتقضي على مصالح الناس.وناقل الإشاعة شريك في ترويجها، وهو في نظر الإسلام مثير للفتنة التي هي أشد من القتل. قال الله تعالى : “إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم، ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم” (النور، 15).والإشاعة هي نقل الكلام السيئ من شخص إلى شخص آخر، وإذاعة الأكاذيب بين الناس لإثارة الفتنة في المجتمع، سواء عن طريق الكلام المباشر أو عن طريق الحديث في أماكن تجمع الناس، أو بالهمس أو نحو ذلك.والدافع إلى نشر الإشاعة ربما يكون راجعاً إلى الحقد والكراهية التي يعمد بعضهم إلى اتخاذها كثقافة يعمل على ترويجها في المجتمع، كونه يعيش حالة إحباط بسبب الإخفاقات الكثيرة التي رافقت مسيرة حياته.ومما لاشك فيه أنه يترتب على ذيوع الإشاعة في المجتمع آثار سلبية، وأضرار عظيمة، وعواقب وخيمة، تتفاوت بتفاوت ما يتعلق بها، فمن الإشاعة ما تتعلق بالفرد ومنها ما تتعلق بالأسرة، ومنها ما تتعلق بالجماعة، ومنها ما تتعلق بالمجتمع أو بالوطن.وإذا كانت الإشاعة ضارة بالنسبة للفرد والأسرة لما تسببه من أضرار اجتماعية، فإن ضررها بالنسبة للمجتمع يكون جسيماً، فهي بالنسبة للمجتمع تعتبر طامة كبرى، بل وجريمة عظمى يستحق مروجها العقاب الشديد، لما يسبه للمجتمع من مخاطر كثيرة، فهو يثير في الناس الخوف والفزع، ويحدث في نفوسهم الاضطراب، فيبلبل أفكارهم ويشوش على عقولهم، ويهيج الناس بعضهم ضد بعض، فيحدث الشغب، وتكثر الفتن، وتزيد القلاقل والاضطرابات في أوساط المجتمع، فيفقد المجتمع تماسكه، وينعدم فيه الاستقرار والأمن.ومن الواجب القضاء على الإشاعة أياً كان مصدرها، والحيلولة دون انتشار الأكاذيب التي يروجها ضعفاء الإيمان، الذين يهدفون إلى تحطيم آمال الشعب ويعمدون إلى إحباطهم، ليباعدوا بين الشعب وآماله، أو ليحولوا بين الشعب وتحقيق أمانيه، ذلك أن بعض الحاقدين في مجتمعنا يعملون لتسريب اليأس إلى قلوب الناس، وإشاعة الضعف في أوساط أفراد المجتمع، وقتل روح الأمل في الحياة، وفي التطور، وفي النهوض، فيعمدون إلى نشر ثقافة الكراهية في المجتمع، ويسعون إلى بث الضغائن والأحقاد في المجتمع، ليقتل الناس بعضهم بعضا.فلنحذر الإشاعة التي يستخدمها أعداء الوطن في الداخل والخارج لإضعاف تماسكنا وتحطيم وحدتنا والقضاء على بوادر الخير فينا وقتل معنوياتنا، حتى نيأس ونتقاعس عن البناء والتطوير.[c1]* خطيب جامع الهاشمي الشيخ عثمان[/c]
