عندما يبحث رجال الدين عن دور مفقود
ثمة حركة توجس تطفو على سطح الحياة السياسية اليمنية .. حيث أطلق كبار مسؤولي الدولة في أكثر من محفل موقفاً واضحاً وقاطعاً لا يقبل التدليس والشك دفاعاً عن سيادة اليمن ورفضاً لقبول أي قوات أجنبية على أراضيه. وبالمقابل فإن ثمة توجساً حكومياً رسمياً بدا واضحاً على السطح من المخاضات المتوقعة لمؤتمر لندن مع بدء العد التنازلي لهذا المؤتمر المقرر عقده نهاية الشهر الجاري في العاصمة البريطانية ، رغم أن الحكومة لا تزال حتى الآن تنتظر تفاصيل عن هذا المؤتمر ، علاوة على هذا فإن الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقائد قواته المركزية الجنرال بترايوس أكدا أكثر من مرة أنه لا نية دولية لتدخل أجنبي في اليمن سواء عبر مؤتمر لندن أو غيره .. إلا أن الشكوك والمخاوف من تداعيات الدعوة لمؤتمر لندن وتوقيت انعقاده تجعل كل شيء محتملاً وممكناً في بال الساسة اليمنيين .ومؤخراً أبى بعض رجال الدين إلا تسجيل موقف لهم في خضم هذه الزوبعة المثيرة للشكوك .. وتمثل هذا في بيان وقع عليه 150 من أعضاء جمعية ( علماء اليمن ) التي تضم عدداً من الفقهاء وخطباء المساجد ولا يوجد في عضويتها باحث أو مختص في علوم الطب أو الاقتصاد أو الفيزياء أو الكيمياء أو الإدارة أو الأحياء أو الاتصالات أو الزراعة أو الطاقة أو المياه أو المال وغيرها من العلوم التي يشتغل في مجالاتها علماء متخصصون تحتاجهم بلادنا في بناء الدولة الحديثة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة ويؤدون مهامهم بصمت وشرف .. علماً بأنه لو كان لدينا ( 150 ) عالماً حقاً لكنا في وضع مشابه لماليزيا التي توجد بها جمعية للعلماء تضم في عضويتها ( 175 ) عالماً في مختلف الاختصاصات العلمية !! . واللافت للنظر أن هذا البيان الذي حمل توقيع ( العلماء ) غاب عنه رئيس الجمعية القاضي إسماعيل الحجي ولم يقرأ - البيان - في مقر الجمعية بل تمت قراءته داخل مسجد ( المشهد ) بحي شعوب بأمانة العاصمة وتلاه عضو مجلس النواب عن حزب ( الإصلاح ) عارف الصبري ، ولأن البيان تلي داخل مسجد وعقب مؤتمر صحفي عقد داخل المسجد نفسه فلم يسمح للصحافيات الأجنبيات بالدخول إلى المسجد لأنهن نساء كاشفات وجوههن بينما تناسى ( علماؤنا ) الأفاضل أن المسجد وضع للصلاة والتضرع إلى الله وسائر أعمال العبادات الأخرى ولم يبن لعقد المؤتمرات الصحفية وإعلان البيانات الحزبية والشطحات السياسية .بيان ( علماء اليمن ) هاجم بلغة صريحة العمليات التي قامت بها القوات الجوية لدك أوكار تنظيم (القاعدة) في أمانة العاصمة وأرحب وأبين وشبوة، مطالباً السلطة بعدم قتل أي شخص خارج إطار القضاء الشرعي ، بل وصل الأمر إلى تحريم وتجريم أي اتفاقية أو تعاون امني أو عسكري مع أي طرف خارجي إلا بموافقة ( العلماء ) ، ولا نعرف أي علماء يقصدون ؟ ومن هم ؟ وما هي اختصاصاتهم تحديداً ؟ علماً بأن هذه المهمة مناطة بمجلس النواب المنتخب من قبل الشعب ، والمعني بموجب الدستور بإقرار أو رفض الاتفاقيات والمعاهدات بين بلادنا والبلدان الشقيقة والصديقة . فالبيان الذي صدر نهاية الأسبوع الماضي اعتبر (( دعوة بعض القوى الأجنبية إلى عقد مؤتمر دولي حول اليمن ، ما هو إلا “للنيل من أمن البلاد، ووحدته واستقراره، وانتهاك سيادته، تحت ذرائع واهية ومغلوطة لتكرار ما حصل في العراق وأفغانستان وباكستان، والذي أدى إلى احتلال الأرض وقتل وتشريد الملايين )) بحسب نص البيان الذي تمت تلاوته في مسجد ( المشهد ) بصنعاء .. وزاد البيان : (( في حال إصرار أي جهة خارجية على العدوان وغزو البلاد أو التدخل العسكري فان الإسلام يوجب على أبنائه جميعا الجهاد لدفع العدوان )) ، وكأن هيئات الدولة الدستورية المنتخبة وقواتها المسلحة غير معنية بالدفاع عن سيادة واستقلال البلاد ، علماً بأن الحكومة أصدرت تصريحات واضحة وقوية قبل صدور هذا البيان بينت فيه رفضها أي تدخل عسكري أجنبي ، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة عن الهدف الحقيقي من هذا البيان الذي أصدره من أطلقوا على أنفسهم (علماء اليمن ) .كما أن هذا البيان لم ينس تحديد موقف من الهجمات التي استهدفت أوكار ( القاعدة ) حيث لم يخل هذا الموقف من التعاطف بلغة مبطنة بل وواضحة وسافرة كما جاء في بيانهم حيث شددوا على تحريم قتل المستأمنين - ولعلهم يقصدون بعبارة المستأمنين بعض الأجانب الذين قتلوا في معسكرات القاعدة من جنسيات غير يمنية - !!!!؟؟، وتجريم ماحدث من قتل للارهابيين في أبين وشبوة وأرحب خارج القضاء الشرعي. مع وضع أكثر من خط أحمر تحت كلمة ((القضاء الشرعي )) وهو ما يوحي بصورة أو بأخرى بأن الذين أسماهم البيان ( علماء اليمن ) يحرمون أي هجمات ضد القاعدة ويحرمون قتل أخطر العناصر القيادية للتنظيم ما لم تكن خضعت للقضاء الشرعي .. وهو ما ينطبق على كل الضربات الجوية التي استهدفت عناصر ( القاعدة ) وآخرها ضربة ( الأجاشر ) التي قالت السلطة أنها قتلت ستة من أخطر قيادات القاعدة بينهم القائد العسكري للتنظيم في اليمن المدعو قاسم الريمي .ولم يتوقف البيان هنا ، بل بالغ إلى التشكيك في اللجنة التي شكلها مجلس النواب لتقصي الحقائق حول الأحداث السابقة وخصوصاً أحداث ( المعجلة ) في أبين حيث دعوا إلى ( تشكيل لجنة من العلماء والقضاة والخبراء والمختصين للنظر في تلك الحوادث وأسبابها وآثارها والعمل على إيجاد الحلول الشرعية لها ) .لا شك في أن الهدف من بيان ما يسمى ( علماء اليمن ) هو إبراز نفوذ رجال الدين الحزبيين مرة أخرى بعد تراجعه وانحساره في المجتمع اليمني منذ قيام الجمهورية اليمنية والتحول نحو الديمقراطية والتعددية ، وهذا يظهر جلياً من خلال الدعوة الضمنية إلى إلغاء جميع مؤسسات الدولة وحصر جميع الأعمال الرقابية والتشريعية وغيرها في من أسماهم البيان بـ ( العلماء ) وتعظيم الخطوات التي من شأنها إقامة دولة دينية يكون لرجال الدين الرأي الأول والأخير فيها بعيداً عن مؤسسات الدولة الدستورية إلى حد إلزام الدولة بأخذ رأي رجال الدين حتى في اتفاقيات التعاون التي توقعها مع دول العالم وإخضاع هذه الاتفاقيات لنخبة كهنوتية محددة لا يعرف أحد كيف سيتم تشكيلها ومن سيمنحها ويفوضها الشرعية في ظل وجود مؤسسات دستورية منتخبة تناط بها مهام بناء الدولة وتطبيق سلطة الدستور والقانون والدفاع عن أمن وسيادة واستقرار البلاد . إن رفض من أسماهم البيان ( علماء اليمن ) للضربات الجوية ضد عناصر ( القاعدة ) يوحي بأكثر من تساؤل عن الموقف الصريح الذي يتبناه بعض رجال الدين السياسيين ضد عناصر ( القاعدة ) في اليمن والسعودية وبلدان مجلس التعاون الخليجي بل والعالم بأسره وموقفهم من حملات مكافحتها واستئصالها ، وهو ما يجعل من تنظيم ( القاعدة ا) لمستفيد الأكثر حظاً من بنود هذا البيان الذي ذيل بتوقيعات 150 فقيهاً وخطيباً من ذوي الانتماءات والتوجهات الحزبية المعارضة للحزب الحاكم ، والذي هو الآخر لديه ما يزيد عن هذا العدد من الفقهاء ورجال الدين وخطباء المساجد حيث لم يدل أحد منهم بدلوه حتى اللحظة . ربما كانت الحسنة الوحيدة في بيان ما يسمى بـ (( العلماء )) هي رفضه للتدخلات العسكرية في الشأن اليمني وهو موقف لا يقدم ولا يؤخر شيئاً بعد أن أعلنت الحكومة اليمنية موقفها الواضح والصريح ضد رفض أي تواجد أجنبي على أراضيها وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي بوضوح عدم رغبة بلاده ارسال أية قوات إلى بلادنا . غير أن ما جاء في بقية بنود البيان والذي قيل أنه جاء بعد عدة مشاورات بين من أسماهم البيان ( العلماء ) يضع أكثر من علامة استفهام حول المغزى من توقيت إصدار البيان والمغزى من محتواه المثير للشبهات والتساؤلات ، والذي يشبه مرافعة ختامية ودفاعاً مجانياً عن عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي .. وهو كما يبدو الهدف الحقيقي من البيان .[c1][email protected][/c]
