بغداد / متابعات :لا يبدو أن شيئا في العراق سينجو من نيران الطائفية والمحاصصة، بل إن واقع الحال في العراق يشير إلى أن كل شيء بات برسم الطائفية، ولعل الثقافة والكتاب بدأت تأخذ حصتها من هذه النيران المشتعلة في أرض الرافدين، وصار للكتب وعالمها نصيب مما اجترحته أيدي الساسة، وأسلحة الميليشيات والتنظيمات المسلحة.ففيما اعتبره البعض حصارا فكريا وثقافيا على العراقيين السنة، يصر آخرون على تسميته بالحرب المنظمة على كل ما هو عراقي وطني، من خلال إغراق السوق الثقافية والعلمية في بغداد بأفكار دخيلة على العراقيين، مسايرة وتعميقا لحالة الاحتقان الطائفي، خاصة مع سيطرة ميليشيات مدعومة من إيران على أسواق الكتب في بغداد، حيث انتشرت الكتب الدينية المطبوعة في إيران بشكل لافت للنظر. ويتركز معظمها على التعريف بما يسمى بولاية الفقيه في الإسلام وأحقية الخلافة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عقب وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى كتب أخرى تتغنى بالديمقراطية الأمريكية، و إنجازاتها خلال الأعوام الأربعة الماضية، وما حققته الحكومات المتعاقبة من إنجازات، بالإضافة إلى كتب أخرى تسفه الأفكار القومية العربية وتتهجم على العرب بشكل مثير.يقول المؤلف محمد الأيوبي إنه أنجز ثلاثة كتب خلال عامين تتحدث عن شرعية مقاومة الاحتلال وفساد الحكومة الحالية وعمالة المراجع الدينية وتعطيلها لفرض مقاومة المحتل، إلا أن أيا من كتبه لم يطبع في بغداد، "بل إن بعض أصحاب المطابع رفض أصلا التحدث معي واعتبر طباعة كتبي شيء من الجنون والمغامرة الطائشة، وقال لي أفضّل طباعة كتب تمجد الحوزة لا كتب تنتقدها وأفضّل الإبقاء على مطبعتي سليمة من الحرق على يد المليشيات".ويشتكي العديد من المؤلفين العراقيين المعروفين بمعاداتهم للمشروع الأمريكي والمشروع السياسي الذي جاء مع المشروع الأمريكي، من إغلاق أبواب المطابع أمام كتبهم، بل إن بعضهم قتل أثناء تردده على عدد من المطابع في منطقة البتاوين وسط بغداد، في حين يرى آخرون أن أصحاب المطابع العراقية خاضعون رغما عنهم لتنفيذ أوامر الميليشيات المتنفذة، خاصة بعد أن قتل عدد منهم، الأمر الذي اضطر العديد إلى بيع مطابعهم ومغادرة العراق أو إلى تعيين من ينوب عنهم في العمل في حين استقروا هم في مناطق خارج بغداد أو خارج العراق.فرضت الطائفية نفسها على حياة العراقيين بشكل لم يسبق له مثيل، فلقد غيرت العديد من أسماء الشوارع والمدارس والساحات العامة بأوامر حكومية، خاصة مع سيطرة قوى وأحزاب دينية على مقاليد الأمور في العراق منذ إسقاط النظام السابق، وامتد الأمر إلى تغيير أسماء العديد من المعالم التاريخية، وأسماء المدن حتى، ولعل أبرز مثال على ذلك محاولات بعض أعضاء مجلس محافظة بابل تغيير إسم المدينة إلى مدينة الحلة وعدم إبقاء إسم مدينة بابل، في حين لم يعد أحد يسمع باسم محافظة ذي قار، وهي المدينة التي انتصر فيها العرب على الفرس قبل الإسلام، وصارت المدينة تعرف باسمها القديم " الناصرية".التغيير امتد ليصل شارع الكتب والمثقفين في العراق، شارع المتنبي، الشارع العريق، الذي يعود زمن إنشائه إلى أكثر من 200 عاما. فبعد التفجير الكبير الذي استهدف هذا الشارع وأدى إلى تدمير جزء كبير منه، صارت العديد من وسائل الإعلام المحسوبة على طائفة معينة تطلق عليه إسم "شارع أهل البيت"، وهي التسمية التي بات يروجها العديد ممن دخلوا إلى هذه المهنة عقب الاحتلال، وتخصصوا ببيع كتب دينية شيعية تروج لأفكار إيرانية مذهبية. وعن ذلك يقول الحاج علي طه "أبيع الكتب منذ ثلاثين عاما، كتب دين إسلامية ومسيحية وحتى اليهودية القديمة وكتب ثقافية وكتب تاريخية وكتب للأطفال والأمهات ومن مختلف الموارد والكتاب، إلا إنني اليوم كما تشاهد أبيع كتب معينة فقط كتب دينية شيعية وكتب علمية وكتب مناهج مدرسية تسرق من المدارس وتباع هنا، وأضع خلف باب المحل مئات الكتب الثمينة التي لو أخرجتها لتسببت لي بمشكله، حيث أن الشارع الذي تحوّل إسمه من شارع المتنبي إلى إسم شارع أهل البيت أصبح مختصرا على كتب طائفة واحدة ويحاكي أهدافهم وأفكارهم وأنا مضطر إلى القبول بهذا الحال كوني أرغب بالعيش".ويتابع المتحدث "حاليا يجري بيع كتب السيوطي وابن كثير والغزالي والشافعي وأبو حنيفة هنا بالسر لبعض الزوار، وتكون عملية البيع مضحكة نوعا ما، حيث يقوم المشتري بلف الكتاب بصحيفة أو قطعه قماش أو يضعه تحت قميصه وكأنه اشترى الكوكايين أو اشترى عبوة ناسفه".شارع المتنبي ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق بدأ يشهد عمليات اغتيال لعدد كبير من باعته المشهورين، بالإضافة إلى عمليات خطف طالت عدد آخر منهم، حيث هددوا إما بالرحيل من الشارع أو القتل، كان من بينهم أبو أحمد، الذي كان معروفا لرواد هذا الشارع، والذي اشتهر ببيع الكتب الإسلامية، واعتقل من قبل أجهزة النظام السابق لمدة ستة أشهر قبل أن يفرج عنه، حيث يقول "قامت مجموعة مسلحة تابعة لإحدى الميليشيات بخطفي، كان ذلك في العام 2004، حيث كنت لا أزال أعمل في بيع الكتب الدينية، حيث طلبوا مني مغادرة الشارع أنا وكل من يمتهن بيع الكتب الإسلامية، متهمين إيانا بأننا نروج للأفكار السلفية الوهابية، ولأنهم كانوا يريدون أن يوصلوا من خلالي رسالة إلى بقية الباعة تم الإفراج عني". رحل أبو أحمد إلى سوريا وبقي هناك لنحو عام قبل أن يعود إلى بغداد ليمتهن بيع الكتب من جديد، ولكن هذه المرة أمام المساجد في مناطق لا تخضع لسيطرة الميليشيات.الثقافة في العراق تعيش اليوم على ذكريات وإنجازات سابقة، فلم يعد يسمع القارئ عن صدور كتاب في العراق، ما خلا تلك الكتب التي تمجد مذهبا معينا أو فكرا معينا يتماشى مع ما هو موجود في العراق، حتى الكتب العلمية التي لا تتعلق بما يجري من احتدام طائفي في العراق، لم تعد تجد لها مكانا في عراق اليوم، كما يقول الطالب في كلية طب الأسنان ببغداد، أشرف عباس، ويضيف "عندما تريد الدخول إلى سوق الكتب في بغداد فينبغي عليك شراء الموجود وقراءة الكتب الموجودة وعدم السؤال عن كتب غير معروضة في الشارع، كونه سيعرضك للخطر من قبل مليشيا جيش المهدي، وبصراحة بدأنا نوصي على كتب من عمان ودمشق على الرغم من ارتفاع تكاليفها كون الكتب الموجودة الآن في سوق بغداد تفتقر للعلمية، بالإضافة إلى أن أنها كتب قديمة ولا تواكب التطور الحاصل، فلقد فر أغلب الأساتذة إلى خارج العراق".وفيما تعتبر مصائب قوم عند قوم فوائد، ابتكر بعض التجار العراقيين طريقة للربح السريع بسبب تلك المعاناة الثقافية التي يمر بها العراقيون، حيث يقول عمر الكبيسي إنه اشترى طابعة ألمانية الصنع بسبعين ألف دولار أمريكي وقام بنصبها في مدينة سامراء لطباعة الكتب الوطنية والكتب الوسطية وكتب علماء الدين السنة، معتبرا أن الفكرة تلك رائعة وأن تجار آخرين أقدموا على نفس الفكرة، وقاموا بجلب مطابع وعمال لطباعة الكتب وبيعها في المدن والمناطق ذات الأغلبية السنية على حد قوله.
قلق من الانتشار المتزايد للكتب المؤججة للطائفية في العراق
أخبار متعلقة
