غضون
* الانتماء الوطني والولاء الوطني والوطنية هي جماع هوية وشخصية أي مواطن في وطنه، والشعور بها لا ينتج عن إيقاظ غريزة طبيعية بمجرد خطاب عاطفي كما نفعل في أحاديثنا وندواتنا ومحاضراتنا، إذ أن الانتماء والولاء الوطنيين يكتسبان اكتساباً ويتقويان بالشعور بوحدة المجتمع التاريخية والثقافية والنظام السياسي المنفتح على الجميع والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وتطبيق مبدأ سيادة القانون وضمان العيش الكريم وإشاعة ثقافة التسامح، فإذا لم تتوافر هذه العناصر والمكونات فلا يجوز أن نتهم أحداً بأن ولاءه الوطني معدوم أو ضعيف، وينبغي أن يعذر أولئك الذين يجاهرون بما يعبر عن ضعف هذا الانتماء لديهم ما داموا يشعرون أنهم ليسوا جزءاً من وطنهم. ولاحظوا أن مهاجرين يمنيين وعرباً ذهبوا إلى مجتمعات غربية وصاروا شديدي الاعتزاز بالانتماء والولاء لها لأنهم وجدوا فيها حياة كريمة، وهذا يعني أن التاريخ والثقافة ووحدة العرق لا تحتل أهمية دائماً بالنسبة لضرورات الانتماء والولاء الوطنيين.* نحن نشكو من اهتزاز الولاء الوطني لدى الشباب مثلاً وكأنه ولد معهم أو كان موجوداً في الماضي ونعتقد أن علينا فقط القيام بمحاولة إيقاظه أو استمراره بخطاب عاطفي وفي الوقت نفسه نتجاهل الممارسات التي تقتل الانتماء أو الولاء الوطني، فعلى سبيل المثال لا تعترف الأحزاب الدينية والقومية بالوطنية، فعند الإسلاميين يعد الانتماء إسلامياً أما الوطنية فهي تعصب ووثنية، والأحزاب القومية وجهتها دمشق وبغداد وطرابلس، والسلفيون أشد عداء لمظاهر الوطنية وها هم يمنعون النشيد الوطني في مراكزهم وبعض المدارس الحكومية ويفتون أن الاحتفال بالأعياد الوطنية بدعة محرمة، ويوجد بيننا سياسيون يكرسون القبلية والانتماء والولاء للقبيلة ويعتبرون أن من لا ينتمي لقبيلة “ناقص أصل”، ونتحدث للشباب عن الولاء والانتماء ونسمعهم في الوقت نفسه كلاماً مدمراً فهذا هاشمي وافد ، وذاك مشكوك في يمنيته ، والإسماعيليون قنبلة موقوتة، وفلان أصله تركي، والحوثيون دخلاء، وفلان أمه من أصول صومالية.. وهكذا.ڈ إذا كانت قضية الانتماء والولاء الوطنيين صادقة بالنسبة لنا، فإن الخوف عليها لا يعبر عنه بخطاب عاطفي موجه لمن نخشى عليهم أو منهم، بل بممارسات مدروسة ومعالجات للمشكلات التي تضعف الانتماء أو الولاء الوطني وقد أشرنا إلى بعضها في البداية، وفي الوقت نفسه إحياء ونشر الثقافة الوطنية، وكذلك فن الغناء، ولو رجعنا إلى ثقافة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي سنجد كم هي زاخرة بهذا المركب، وكذلك أغاني فرسان خليفة ومحمد سعد عبدالله والمرشدي وأيوب وطه فارع وغيرهم كثير.. مع التذكير أن تحريم الغناء قد أضعف تأثير هذا الفن ووجه ضربة قوية للانتماء والولاء الوطنيين.
