غضون
* هناك رغبة جامعة لدى السلطة والمعارضة في بلادنا نحو التحول إلى الحكم المحلي، وهذا الإجماع ينطوي على اعتراف بأن المركزية فشلت وأن الأهداف التي كان يفترض أن نحققها من خلال الحكم المركزي لم تتحقق ونريد أن نحققها الآن ولكن عن طريق الحكم المحلي أوهكذا نتصور.حسناً .. الأمر ليس قطعياً .. فالنظام المركزي لم يفشل لأنه مركزي .. ونظام الحكم المحلي لن ينجح لمجرد أن اسمه حكم محلي كما نعتقد.صحيح أن الحكم المحلي هو نظام فعال وهو سائد في معظم دول العالم، لكن أيضاً هناك دول يسود فيها نظام حكم مركزي ومع ذلك تحرز تقدماً في كل المجالات وبطريقة وتكاليف أقل ويسود فيها القانون والاستقرار الاجتماعي والسياسي.* ليس لدي معرفة كاملة بإستراتيجية الحكومة للتحول إلى نظام الحكم المحلي، ما أعرفه أن نظام الحكم المحلي يحتاج إلى إعادة تقسيم أراضي الدولة إدارياً استناداً إلى المعطيات الجغرافية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسكانية .. وأن تؤطر هذه العملية بإطار دستوري وأطر قانونية تراعي الخصائص والخصوصيات .. وفي الحكم المحلي تنبع القرارات التي تهم الناس من الناس أنفسهم وهم الذين يختارون حكامهم والموظفين الذين يديرون شؤونهم .. وهذا النظام لا مكان فيه للخبراء المختصين التابعين للسلطة المركزية كما هو الحال اليوم، حيث إن علاقة الناس بالحكم المركزي تتم من خلال المحافظ والنائب وعضو مجلس الشورى ورئيس المجلس المحلي والمديرين العموميين المعينين .. وهؤلاء في الحقيقة هم الصلة الرابطة بين النظام المركزي وبين مختصين في المحافظات، وهؤلاء المختصون أو الاختصاصيون ليسوا قادة شعبيين وليسوا منتخبين من الناس ولا يحاسبون من قبل المجتمع المحلي ولا يعزلون من قبله.* لكي نصل إلى نظام جيد للحكم المحلي نحتاج إلى وقت كافٍ لإنجاز المقومات وتوفير الشروط التي أشرنا إليها بإيجاز، وهي مقومات وشروط تختلف اختلافاً جوهرياً عن ما هو قائم اليوم، وبدون ذلك سيكون الحكم المحلي صورة مصغرة للحكم المركزي الذي نريد التخلص منه .. مع ذلك نقول إن الوصول إلى حكم محلي حقيقي أمر ممكن .. لكن في الوقت نفسه نعتقد أن الحكم المركزي ليس رجساً من عمل الشيطان لأنه “مركزي” فإيران والسعودية ومصر ودول عربية وغير عربية هي دول جبروتية يسود فيها النظام المركزي وهي لا تعاني من مشكلات كبيرة لذلك السبب.إن النظام المركزي ليس معيباً إذا كان ينهض بمسؤولياته في مجال بناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة والتنمية والمساواة وتكافؤ الفرص، وينتفي فيه التمييز والرخاوة والفساد والمحاباة.
