نبض القلم
إن المتأمل في أسرار فريضة الحج يجد فيها كثيراً من الدروس القيمة التي تنفع الناس في حياتهم ، وترسم لهم طريق النجاة يوم يعرضون على ربهم ، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.إن أول درس يطالعنا في هذه الفريضة هو التيسير ، وأهم مظاهر التيسير في هذه الفريضة تتمثل في أمرين هما: . الأمر الأول : أن أداءها لا يكون إلا بالقدرة عليها ، فقد يعيش المسلم عمره كله دون أن يؤديها ، ثم يموت غير آثم ولا يعتبر تاركاً لأحد أركان الإسلام لأنه لم يترك هذه الفريضة متعمداً ولا متهاوناً بل إنه عجز عن القيام بها ،لعدم قدرته على تكاليفها ، فاقتضت رحمة الله ألا يكون هذا من المذنبين . ولأئمة المسلمين توجيهات كثيرة في تفسير معنى الاستطاعة في قوله تعالى : “ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا” ( آل عمران ، 97) فقال بعضهم إن على كل مسلم أن يحاول تهيئة نفسه للحج متى ما أمكنه ذلك ،وعليه أن يستغل الظروف المواتية لأدائها ما استطاع إلى ذلك ،سبيلا ، فإن نفدت طاقته دون الاستطاعة فرحمة الله واسعة .وقالوا كذلك إن من كان في سعة من مال ، وعجز لمرض أقعده اقتضت رحمة الله أن يقبل حجه بالإنابة ، أما من أخر أداء هذه الفريضة مع قدرته عليها ثم مات من غير أن يؤديها ، فهو آثم وبقي عليه أداء الحج ، فيؤخذ من تركته قبل تقسيمها على الورثة ما يغطي تكاليف الحج فيقوم ورثته بانتداب من يؤديها نيابة عنه سواء أوصى بذلك أو لم يوصِ وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : “ لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب جزية على من لم يحج وهو يستطيع إليه سبيلا”.الأمر الثاني: من مظاهر التيسير في الحج هو أن هذه الفريضة تلزم المسلم مرة واحدة في العمر كله ، على الرغم من سعته وقدرته واستطاعته ففي ذلك يسر ما بعده يسر ، لأن الله أراد من عباده أن يمتثلوا لأمره ويعبدوه كما أمرهم لا كما يحلو لهم ، فهو سبحانه وتعالى يعلم أن الألوف المؤلفة من المسلمين الذين تجب عليهم هذه الفريضة حين يأتون إلى مكة كل عام ، ويتجمعون فيها من مشارق الأرض ومغاربها ما يكفي لبعث الحياة في مكة وما حولها من أرض الحجاز وبما يعود على أهلها بالخير والنعيم والنماء ، ثم إن القيام بهذه الرحلة الروحية بشوق ولهفة ، وما يصحبها من خشوع كفيل بأن يترك في النفس من الآثار والصور ما يجعلها تتذكره دائماً وقد يكفي الإنسان القيام بها مرة واحدة في العمر ومع ذلك فما أكثر الذين يعاودون الحج كرة بعد أخرى ، متطوعين وراغبين في الاستزادة من تلك المتع الروحية ، غير أن بعض العلماء المعاصرين لا يحبذون تكرار الحج لتخفيف الزحام ، وإتاحة الفرصة للآخرين ليؤدوا هذه الفريضة ممن لم يسبق لهم أداؤها وفي الحديث الشريف أن أحد الصحابة الكرام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما إذا كان الحج واجباً كل عام ـ فأعرض عنه الرسول فكررها السائل ثلاثاً فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) : “ ويحك ما يؤمنك أن أقول : نعم ، والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه””.وهكذا رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبل التيسير ودعا إلى تيسير أمور العبادة لا تعقيدها ، وبالتالي تيسير أمور الحياة كلها.[c1]* خطيب جامع الهاشمي الشيخ عثمان[/c]
