الجزائر / متابعات :برزت عقب تفجيرات 11 أبريل الماضي التي استهدفت قصر الحكومة في الجزائر ومقرا للشرطة على يد انتحاريين منضوين تحت تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي، حاجة الجزائر للمسارعة إلى استحداث منصب "مفتي الجمهورية"، بهدف وضع حد للفوضى الجارية في مجال "صناعة الفتوى" خصوصا ما تعلق بميدان الجهاد.. فضلا عن باقي الأمور الحياتية المستجدة.ورغم هذه الحاجة الملحة إلا أن الخلاف حول تجسيد فكرة مفتي الجمهورية ميدانيا يمر بعامه الخامس على التوالي بين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من جهة والمجلس الإسلامي الأعلى من جهة أخرى ، فبينما تقترح الوزارة إنشاء دار للإفتاء يرأسها مفتي الجمهورية وتعطى له صلاحيات الفتوى في مختلف الأمور الحياتية، تصر هيئة المجلس الإسلامي الأعلى على ضرورة تحديد صلاحيات مفتي الجمهورية مقارنة بالصلاحيات الممنوحة لهيئة المجلس.ويرى السيد طمين مستشار وزير الشؤون الدينية، أن "هناك حاجة ملحة جدا اليوم لتنصيب مفتي الجمهورية لأن المجلس الإسلامي الأعلى رغم أهميته إلا أنه ليس له صلاحيات الإفتاء وإنما تنظيم الملتقيات"، مضيفا أن "هناك ليونة في المواقف اليوم تنبئ بأن مشروع مفتي الجمهورية سيرى النور عند اكتمال بناء المسجد الأعظم بالعاصمة". من جهته ، أكد السيد شنقيطي مسؤول خلية الإعلام بالمجلس الإسلامي الأعلى في تصريح لـ" العربية نت" أن "المجلس عبر عن رأيه في القضية مرارا و هو يشترط تحديد صلاحيات مفتي الجمهورية حتى لا تتعارض مع صلاحيات المجلس"، مقترحا "وضع مفتي الجمهورية تحت سلطة وزير الشؤون الدينية تجنبا للفوضى في الفتوى كما هو حاصل في مصر هذه الأيام بشأن فتوى إرضاع الكبير و إباحة الردة" بحسب المتحدث.ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف حول استحداث منصب مفتي الجمهورية له علاقة بهوية الجهة التي يجب أن يتبع لها هذا المفتي، وهل تكون هي رئاسة الجمهورية أم تكون وزارة الشؤون الدينية أم يكون مفتي الجمهورية عبارة عن مؤسسة مستقلة لا تتبع أي جهة، فضلا عن أن استحداث منصب المفتي قد يحل هيئة المجلس الإسلامي نهائيا، الأمر الذي ترفضه بعض الأطراف، وظهر ذلك من خلال استغلال مسؤولي المجلس لنفوذهم السياسي قبل عامين حيث تم توقيف مشروع استحداث مفتي الجمهورية في اجتماع مجلس الوزراء الجزائري في عهد رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيي.وإذا كان الجزائريون قد استيقظوا صباح الحادي عشر من أبريل الماضي على فاجعة تفجير قصر الحكومة في مشهد استعراضي اختلط فيه الدين بالسياسة مجددا بعد سنوات من الهدوء، ونفذه الانتحاري مروان بودينة منتحلا اسم الصحابي الجليل معاذ بن جبل فيما حملت هذه العملية التفجيرية اسم "غزوة بدر"، فإن سنوات الجنون والدم طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي تميزت بفتاوى القتل الجماعي.وفي غياب مرجعية دينية متفق عليها داخل الجزائر وجدت كل شرائح المجتمع الجزائري نفسها في مواجهة الموت باسم الدين والجهاد. ويتذكر الجزائريون كيف تبنت الجماعة الإسلامية المسلحة المعروفة باسم "الجيا" عام 1996 فتوى أبو قتادة المصري الشهيرة التي أفتى فيها بجواز قتل المدنيين والأطفال الصغار، وتحث هذه الفتوى على أمرين الأول: "جواز رمي المرتدين والكفار بآلات فيها مواد متفجرة تقتلهم هم وأبناءهم ونساءهم، وذلك إذا تمترسوا في الحرب بالنساء والصبيان ومن لا يجوز قتله ، بالإضافة إلى حرق السفن وإغراقها بمن فيها من المقاتلين الكفار ونسائهم وصبيانهم.. والأمر الثاني: "جواز القصد إلى قتل النساء والذرية عمدا؛ دفعا لهتك أعراض المسلمات أو قتل المسلمين".وتحرك علماء السلفية في العالم العربي أمثال الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ عبد الله البسام والشيخ صالح بن فوزان الفوزان والشيخ صالح اللحيدان والشيخ محمد السبيل والشيخ عبد الله الغديان وعلماء آخرون لإصدار فتوى تحرم "التكفير والتفجير" الذي يجري في كثير من بلاد المسلمين وعلى رأسها الجزائر آنذاك.وفي هذا السياق بعث الشيخ العثيمين رسالة إلى حسان حطاب الأمير الوطني السابق للجماعة السلفية للدعوة والقتال موقعة في عام 2000 ويدعوه فيها إلى إلقاء السلاح وإطفاء نار الفتنة، و يبدو أن حطاب اقتنع بمضمون الفتوى فجنح إلى السلم وهو اليوم من أنصار مصالحة الرئيس بوتفليقة.وواجهت الجزائريين منذ اندلاع الأزمة الأمنية وإلى غاية اليوم مشكلات بارزة استدعت بروز النقاش حول أهمية وجود مفتي الجمهورية، ومن هذه المشكلات قضية جواز أو عدم جواز إجهاض أسيرات الجماعات المسلحة التي تحرك في حينها المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الراحل عبد المجيد مزيان وأفتى بجواز ذلك، وهناك مشكلة التعديلات التي خضع لها قانون الأسرة في الشق المتعلق بجواز تزويج المرأة لنفسها بدون ولي أمر، وهناك مشكلة زرع الأعضاء البشرية و"الاستنساخ" التي ما يزال النقاش دائرا حولها بين الحرمة والتحليل، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالمعاملات مع المصارف التي تتعامل بالفائدة، إلى جانب فتاوي الانترنت التي أصبحت ملاذا البعض من "المتدينين الجدد".ويشار في هذا الإطار، إلى أن وزارة الشؤون الدينية تستقبل أسبوعيا ما لا يقل عن 2500 طلب فتوى من طرف مختلف مؤسسات الدولة وعموم الشعب سواء عبر البريد أو الهاتف أو بصورة مباشرة، بحسب ما كشف عنه عبد الله طمين مستشار وزير الشؤون الدينية، ويضاف للمشكلات السابقة أزمة الخلافات التي يعاني منها أئمة المساجد بسبب اختلاف تياراتهم الدينية، خصوصا بين تيار السلفية و الجهادية .وفي انتظار إنشاء دار للإفتاء، تشرف وزارة الشؤون الدينية حاليا على مراقبة الخطاب الديني لحوالي 15 ألف مسجد في الجزائر، بينما أعلنت الوزارة الوصية عن قرار تأهيل أئمة ومرشدات للتصدي "للفتاوى المستوردة" التي تعتبرها مخالفة لتعاليم الإسلام، وبالموازاة مع ذلك تعكف الوزارة كذلك على إعداد مشروع يسمى بـ"المساجد الأقطاب" وعددها 48 مسجدا على المستوى الوطني مهمتها تأطير باقي مساجد الجمهورية خصوصا ما تعلق بمجال الفتوى والاجتهاد الديني.