غضون
* كنت أسير على الطريق المعروف في عدن بالطريق البحري، وفي يوم شديد الحر، ورأيت في تلك الظهيرة مجنوناً حافي القدمين وليس عليه من الثياب سوى شميز مفتحة أزراره وما تبقى من جسد الرجل كان عارياً، وكان ذلك الشيء الذي تعرفونه يتدلى تحت سرة صاحبه، وكان- ذلك الشيء - أهم ما لفت انتباه المرأة الجالسة إلى جواري في المقعد الأمامي للسيارة.. حيث اعتبرت الأمر قلة أدب.. قلت لها: لا مجنون قليل أدب.. وقولي: نسأل الله السلامة!المشهد لم يكن نادراً.. فالمصابون بالجنون كثر ويتحركون أمام أعين الناس في كل مكان، وهؤلاء هم أجساد وأرواح إنسانية ومواطنون ضرب عليهم الشقاء في الدنيا من دون اختيار أو إرادة أو رضى منهم، ويستحقون من العقلاء المساعدة وإنقاذهم من معاناتهم القاسية.* كثيرون مثلي ومثل صاحبتي يتألمون ويتأذون من المجانين، ويشعرون بأن هؤلاء أنفس وأجساد بشرية تستحق المساعدة، وأن هؤلاء مشكلة محدقة تحتاج إلى حل، ولكن الحل لا يزال فردياً وصادراً عن الحكومة وحدها، التي أنشأت عدداً محدوداً من المشافي النفسية التي يقال إنها أشبه بالسجون ولا تؤوي سوى أعداد قليلة من المجانين، والهروب منها متاح للجميع.. وتلك المشافي خاصة بالمجانين الذكور، أما الإناث فمحبوسات في بيوت أهاليهن خوفاً عليهن من خسة بعض أفراد المجتمع لا شفقة بهن.. ففي إحدى فرزات السيارات وسط مدينة تعز كانت هناك مجنونة تعيش في حالة مزرية، ورغم كبر سنها فتك بها السواقون ثم اختفت بعد أن انتفخت بطنها ولا يعلم مصيرها إلا خالق المجانين.* المصابون والمصابات بالجنون بحاجة لمساعدة المجتمع وخاصة الأثرياء الذين ينبغي أن يدركوا إن إيواء وإطعام مائة مجنون أفضل عند الله من بناء مسجد يتخرج منه في اليوم عشرة إرهابيين.بعد أن بات واضحاً أن لدينا مأساة إنسانية ووطنية كبيرة تتمثل بالمجانين، وبعد أن تبين لنا أن ما تقدمه الحكومة لهم غير مجد وغير فعال، يتعين على أثرياء البلاد أن يوجهوا بعض المال الذي ينفقونه في أعمال الخير أو البر إلى المجانين.. فلا أعتقد أن رعاية مجنون أقل جزاءً عند الله من يتيم أو فقير أو مطلقة أو حتى أسرة شهيد.* وإذا كان ضرب المثل مفيداً.. نذكر هنا أن المسلمين أنشؤوا مستشفى ودار رعاية للمجانين في بغداد قبل ألف وثلاثمائة سنة، وتشاركت الدولة مع أصحاب اليسار وأهل الخير في توفير ظروف حياة لائقة لأنفس وأجساد بشرية معذبة بسبب المرض العقلي أو النفسي.
