لندن / موسكو / متابعات :رغم أن حرب الجواسيس لم ولن تتوقف نظرا لتضارب المصالح بين الدول إلا أنها ، بحسب المراقبين ، نشطت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بين موسكو والغرب، وجاءت قضية تسميم عميل المخابرات الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في بريطانيا التي تدهورت على إثرها العلاقات بين الدولتين لتؤكد أن الصداقة بين أعداء الأمس ليست بالأمر السهل.فتكاد تجمع التحليلات على أن الأزمة الأخيرة بين بريطانيا وروسيا ليست سوى حلقة في الصراع الخفي بين روسيا والغرب منذ توسع الناتو باتجاه دول أوروبا الشرقية، إلا أن الأخطر هذه المرة أنها تزامنت مع الأزمة بين موسكو وواشنطن حول نظام الدرع الصاروخي الأمريكي، ولذا يكاد يجمع المراقبون أن الحرب الباردة التي عانى منها العالم لحوالي 50 عاما تلوح في الأفق مجددا ويلعب فيها رجال الاستخبارات دور البطولة المطلقة، بخلاف الوضع السابق الذي كانت الكلمة العليا فيه للحروب بالوكالة.ففي عام 2004 ، كشف رئيس إدارة الأمن الفيدرالي في إقليم نيجيجورد الروسي الجنرال فلاديمير بولافين أن أجهزة عدد من الدول الغربية كثفت نشاطاتها في بعض المناطق الروسية التي تضم صناعات نووية أو فضائية، ومن بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وفرنسا وألمانيا واليابان والصين.ووفقا لمسئول المخابرات الروسي فإن 70 موظفا من سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وفرنسا وألمانيا واليابان والصين قاموا خلال عام 2003م، بزيارات مختلفة لإقليم نيجيجورد، وتم رصد 13 شخصا من بينهم يعملون في أجهزة الاستخبارات ، مشيرا إلى أن الاهتمام الزائد الذي تبديه أجهزة الاستخبارات الغربية وعملاؤها موجه بالدرجة الأولى إلى المركز النووي الفيدرالي في مدينة "ساروفا" . وفى عام 2005م ، صرح مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي نيقولاي باتروشيف في حديث لصحيفة "روسيسكايا جازيتا" بأن السلطات الروسية اعتقلت 20 عميلا أجنبيا قبض على ثلاثة منهم في حالة تلبس ، كما اعتقل 4 روس يتعاونون مع المخابرات الأجنبية ، وأضاف باتروشيف أن المخابرات الأجنبية تكثف نشاطها التجسسي في روسيا ولذلك فإن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي لا يزال يدخل مكافحة التجسس في قائمة أولوياته.وفي 2005 أيضا صرح رئيس الدائرة الصحفية التابعة للقوات الجوية الروسية ألكسندر دروبيشيفسكي بأن مقاتلة روسية من طراز سوخوي -27 اعترضت طائرة تجسس أمريكية تمكنت من اختراق المجال الجوي الروسي في منطقة شواطئ البحر الأسود على القوقاز.ووفقا لما ذكره دروبيشيفسكي فإن طائرة تجسس أمريكية من طراز أريون قامت بطلعات تجسسية على حدود روسيا، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية إلى إصدار أوامر فورية لاعتراضها إلا أنها غيرت مسارها بعيدا عن حدود روسيا وتمكنت من الهرب ، وفي يناير عام 2006 عرضت محطة التليفزيون الروسي الحكومية شريطا تسجيليا حول تفاصيل قضية تجسس تورط فيها أربعة من الدبلوماسيين العاملين بالسفارة البريطانية في موسكو.وأعلن الناطق باسم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (المخابرات الروسية) سيرجي إيجناتشينكو في هذا الصدد أن رجال الأمن تمكنوا في سياق عملية بدأت في نهاية عام 2005 في موسكو، واستمرت ما يقرب من أربعة أشهر، من ضبط أحدث تقنية للاستخبارات البريطانية وهي عبارة عن جهاز إلكتروني يستخدم في الاتصال بعناصر التجسس في العاصمة الروسية، وفي المقابل ، فإن موسكو هي الأخرى كثفت من أنشطة التجسس في دول المعسكر الشرقي التي انضمت إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي ، ففي 2004م، قامت استونيا بطرد اثنين من الدبلوماسيين الروس العاملين بالسفارة الروسية في العاصمة تالين ، ورجحت صحيفة (Esti Paevaleht) الإستونية أن يكون سبب الطرد هو محاولتهما الحصول على وثائق ومستندات تتضمن معلومات حول توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وفي 2005 م، كشفت صحيفة "نوفي إزفستيا" الروسية أن حجم التجسس الأجنبي في فنلندا وصل إلى مستوى فترة "الحرب الباردة"، مشيرة إلى أن العاصمة هلسنكي وحدها تضم ما لا يقل عن 50 جاسوسا أجنبيا، من بينهم 30 من روسيا. ونقلت الصحيفة عن رئيس جهاز الاستخبارات الفنلندى سيببو نيفالا قوله إن عناصر الاستخبارات الروسية يركزون جهودهم على مجالين أساسيين هما جمع المعلومات السياسية والاقتصادية الخاصة بالاتحاد الأوروبي، ومجال التجسس الصناعي ، مشيرا إلى أن 90 % من هذه العناصر تعمل تحت غطاء دبلوماسي . وبناء على ماسبق ، حذر المراقبون من أن أنشطة التجسس بين موسكو والغرب ستزداد حدتها في السنوات المقبلة بالنظر إلى مساعي واشنطن لنشر صواريخ في شرق أوروبا وخاصة في بولندا والتشيك بالقرب من الحدود الروسية ماينذر بعودة "الحرب الباردة" التي دارت على مدى ما يقرب من 50 عاما بين المعسكرين الشرقي والغربي وانتهت في عام 1991م بسقوط الاتحاد السوفيتي .فروسيا تعتبر أن مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي يهدد أمنها القومي، ويسهم في بناء مرحلة جديدة من سباق التسلح في العالم ، حيث ذكر رئيس أكاديمية العلوم العسكرية الروسية الجنرال محمود جارييف في هذا الصدد أن المنظومة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ المرتقب إقامتها في أوروبا تهدف إلى اعتراض وتدمير الصواريخ التابعة لروسيا، التي يمكن أن تطلق ردا على عدوان ضدها ، قائلا :" إن صواريخ الاعتراض الأمريكية إن تم نصبها في شرق أوروبا ستتمكن من اقتناص صواريخنا وتدميرها عند انطلاقها. ففي ذلك بالذات يكمن خطرها الرئيسي".كما أعلن النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي ألكسي سيجوتكين أن روسيا تتابع توسع التواجد العسكري للولايات المتحدة على الأراضي المجاورة لحدودها ، قائلا :" إن الولايات المتحدة تنتهج سياسة ترمي إلى تعزيز تواجدها العسكري في الخارج، وتقوم ببناء نظامها المضاد للصواريخ، وعلينا أن نرد بشكل مناسب ". وجاء قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 14 يوليو 2007 بتجميد التزام روسيا بمعاهدة انتشار القوات التقليدية في أوروبا والتي تقلل من انتشار الأسلحة الثقيلة في دول الناتو وروسيا ، ليكون بمثابة جرس إنذار بأن الخلاف بين الجانبين مفتوح على أسوأ السيناريوهات وأن شبح سباق التسلح الذي شهدته الحرب الباردة يلوح في الأفق مجددا . ففرص تراجع روسيا عن رفض خطط نشر منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا بحسب المراقبين تبدو ضئيلة جدا لعدد من الأسباب أبرزها أنه منذ وصول بوتين إلى الكرملين حدثت أشياء كثيرة على صعيد العلاقات الروسية الأمريكية حيث أحدث قطيعة كاملة مع عهد سلفه بوريس يلتسين الذي عرف عنه الضعف أمام رغبات واشنطن ونجح إلى حد كبير في استعادة مكانة روسيا على الساحة الدولية والأهم من ذلك الإمساك بزمام الأمور داخل روسيا، كما أن هناك متغيرات أخرى تدعم موقف روسيا ، فالمأزق الأمريكي في العراق بات عميقاً وحد الديمقراطيون من هوامش تحرك إدارة بوش في الكونجرس وسجل بوتين نجاحاً غير متوقع في توقيع اتفاقية خطوط نقل نفط وغاز جمهوريات وسط آسيا عبر الأراضي الروسية وليس عبر جورجيا وتركيا كما كانت تخطط وتضغط الولايات المتحدة للحد من نفوذ روسيا في تلك الجمهوريات وفي حال كهذا فإن روسيا لن تفوت الفرصة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية من الغرب وإذا لم تنجح فى ذلك فإن حرب باردة جديدة ستكون البديل . منذ تسميم عميل المخابرات الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في بريطانيا في نوفمبر 2006 والعلاقات بين بريطانيا وروسيا تسير من أسوأ لأسوأ .وبدأت القصة عندما نقل ليتفينينكو إلى المستشفى في 1 نوفمبر بعد تناول جرعة قاتلة من البولونيوم المشع 210 في أحد فنادق لندن وبعد عدة أسابيع وتحديدا فى 23 نوفمبر توفى متأثرا بالتسمم الإشعاعي، وليتفينينكو وهو ضابط سابق بجهاز الأمن الاتحادي الروسي كان منتقدا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفر إلى بريطانيا مع زوجته وابنه في نوفمبر من عام 2000 وأشهر إسلامه ومنح حق اللجوء وأصبح مواطنا بريطانيا قبل عدة أسابيع من وفاته . وفي 22 مايو 2007 ، وجهت النيابة العامة البريطانية إلى اندري لوجوفوى العضو السابق في الاستخبارات الروسية الذي أصبح رجل أعمال تهمة قتل ليتفينينكو وطالبت موسكو بتسليمه ، مشيرة إلى أن لوجوفوى كان شريكا في الأعمال لليتفينينكو والتقى به فى فندق بلندن فى الأول من نوفمبر واختفى بعد نقله للمستشفى . ومن جانبه ، نفى لوجوفوى تلك التهمة واتهم ليتفينينكو وشريكه رجل المال الروسى فى المنفى بوريس بيريزوفسكى بأن لهما صلات بوكالة الاستخبارات الخارجية البريطانية ، كما رفضت روسيا تسليمه قائلة إن ذلك ضد الدستور. وعلى إثر ذلك ، أعلن وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند في 16 يوليو 2007 أن بريطانيا قررت طرد أربعة دبلوماسيين روس من سفارة روسيا في لندن، ردا على رفض موسكو تسليم اندريه لوجوفوي، وأضاف ميليباند في كلمة أمام مجلس العموم أن بريطانيا ستعيد النظر من ناحية ثانية في تعاونها مع روسيا في مجالات عدة، لاسيما وقف المحادثات الرامية لتسهيل إصدار التأشيرات للسفر بين البلدين ، مشيرا إلى ان بلاده لايمكن أن تتساهل تجاه جريمة بشعة كجريمة قتل ليتفينينكو لأنها كانت يمكن أن تؤدى إلى مصرع عشرات الأشخاص بسبب المادة المشعة بالإضافة إلى أن الجريمة ارتكبت ضد مواطن بريطاني .ومن جانبها ، قررت روسيا هي الأخرى في 19 يوليو 2007 طرد أربعة دبلوماسيين بريطانيين من أفراد البعثة الرسمية العاملة لديها، رداً على طرد لندن لعدد مماثل من أفراد بعثتها.ويري مراقبون أن هوة الخلاف قد تتسع مع إصرار كل طرف على موقفه، فالمملكة المتحدة تهدد باتخاذ إجراءات سياسية ضد موسكو بعد رفضها تسليم لوجوفوى وهذه الإجراءات قد تصل إلى الانسحاب من بعض قطاعات التعاون كالتعليم والاقتصاد والمجالات الاجتماعية، وتبادل المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب ، إلى جانب استبعاد عدد من الدبلوماسيين الروس في لندن. أما روسيا فتصر على أن رفضها يتسق مع الدستور الروسي الذي ينص في مادته 61 على عدم السماح بتسليم المواطن الروسي إلى دول أخرى ، وفاقم التوتر تعرض السفير البريطاني في موسكو لمضايقات من حركة الشباب الروسي المدعومة من الكرملين والمعروفة بـ(قوميتنا)، واقتحام مسئولي هيئة الضرائب الروسية للمركز الثقافي البريطاني في مدينة ايكترنبورج ومطالبة السلطات الروسية بنقل المركز من المدينة إلى جانب ما تتعرض له شركات الطاقة البريطانية من مضايقات وتعقيدات من جانب السلطات الروسية بهدف دفعها إلى الرحيل من السوق الروسي للطاقة. وبجانب قضية ليتفينينكو فإن العلاقات بين موسكو ولندن تشهد توترا منذ سنوات عدة بسبب مطالبة روسيا ببعض الناشطين الشيشان الذين حصلوا على حق اللجوء السياسي في بريطانيا ورفض لندن تسليم مواطنين روس مطالبين أمام القضاء الروسي أمثال رجل الأعمال بوريس بيرزوفسكى، والمتحدث باسم المقاتلين الشيشان أحمد زاكاييف، وبعض العاملين في شركة " يوكس" للنفط، التابعة للملياردير اليهودي "خادورفسكى" أمثال الكسندر تيمركو وديمترى ماريوف" وناتليا تشرنتشيفا، هذا إلى جانب حالات التجسس التي اكتُشفت بين البلدين وتمويل لندن للعديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان وحرية الكلمة في روسيا ومطالبتها بين الحين والآخر بالحريات المدنية في روسيا، بالإضافة إلى إدراج قائمة أعدتها وزارة الخارجية البريطانية في عام 2006 روسيا من بين الدول التى تنتهك حقوق الإنسان، إلى جانب تصريح توني بلير قبل مغادرته منصبه بأنه لن ينصح المستثمرين البريطانيين بالاستثمار في روسيا.
سباق الجاسوسية .. هل يشعل حربا عالمية جديدة ؟
أخبار متعلقة
