منذ إحدى عشرة سنة وأبناء تعز يرسمون بطولاتهم فوق رؤوس الغزاة، مدفوعين بعزيمةٍ لا تلين، وإيمانٍ لا يتزعزع بأنّ الأرض والعِرض أقدس ما يملكون، وأنّ الحرية غالية، وقدرٌ لا يقبل القسمة، وبات النصر خيارهم الوحيد.
يا للمفارقة الموجعة! تعز التي كانت، وما تزال، نبض العطاء المُثمر؛ أطعمتهم من جوعٍ يوم عزَّ الرغيف، وداوت جراحهم حين نزل بهم السقم، وعلّمتهم أبجدية الضياء وهم يغرقون في دياجير التخلّف. وبعثت إليهم بفيالق الحياة: أطباءَ يحملون الشفاء، ومعلمين يغرسون الوعي، وأكاديميين يُشيّدون صروح الفكر، وفنانين يلوّنون بياض الحياة. وفي المُقابل، ماذا كان ردّ الجميل؟ أرسلوا إليها أبا حربٍ وأبا ترابٍ، وجحافلَ مدجّجةً بالحقد، وهواةً يحترفون، من وراء جدران الغدر، فنَّ القنص والترصّد.
حوصرت مدينة تعز من قِبل أحقر عصابةٍ إماميةٍ كهنوتية، تدّعي مقاومة أمريكا وإسرائيل، وتقتل بدمٍ باردٍ اليمنيين، برصاصاتٍ ماكرة، لا تفقه دينًا ولا إنسانية؛ وقد استباحت - خلال أقل من شهر - صدرَ أمٍّ ترعى خمسة أطفال، وسرقت حلمَ طفلٍ وهو عائدٌ من مدرسته، واغتالت شيخًا لم يتبقَّ له من الدنيا سوى شريط ذكرياته. ذهبوا جميعًا إلى الله، حيث تجتمع الخصوم، يشكون غدر تلك العصابة وخذلان المنشغلين بمعاركهم الجانبية.
رغم جراحاتها الغائرة، ستظل تعز عصيّةً على الانكسار، محتفظةً بوقارها وكبريائها أمام هجمات أعداء الدين والحياة. في الماضي، كان الغزاة يعودون منها إلى كهوفهم مثقلين بالفيد، يتباهون بغنائم الحرب المسلوبة من عرق الكادحين. أمّا اليوم، فالمدينة الحالمة ردّتهم خائبين، وأحالت حياتهم إلى كوابيس، ومحمولين على أكتاف الندامة في توابيت الموت؛ ومع ذلك، لا يكفّ سدنة الجهل عن استجلاب مزيدٍ من المغيّبين إلى أتون المحرقة ذاتها، تحت ذريعة الثأر الواهية.
لقد انخلع رداء الخنوع إلى غير رجعة، وأصبح الرفض ثقافةً تتنفسها الصدور، والمقاومة سلوكًا يوميًا يزهر مع كل قطرة دمٍ طاهرة. لم تعد تعز - كما وصفها أحدهم - بأنّ لديها رِقّةَ أنثى، وقلقَ شاعر؛ بل استدارت بقلبِ محاربٍ فذٍّ، وتوجّسِ حكيمٍ خبر الدهر وتقلباته.
هذه الأرض، التي كانت يومًا حاضنةً للدولة الرسولية - أعظم دول شبه الجزيرة العربية مدنيةً وتحضرًا - هي ذاتها التي ستشهد مخاض ولادة اليمن الاتحادي، ميلاد الجمهورية الحقيقية والدولة الحديثة القائمة على صخرة العدالة والمساواة، ونزاهة الضمير.
ضحّت تعز، وما تزال، نيابةً عن الجميع، ودفعت ضريبة الدفاع عن الجمهورية بأغلى ما تملك. هي أيقونة الثورة وعاصمة الرفض. من اعتدى عليها فهو، في منطق التاريخ، مهزوم، ومن خذلها فهو، في ميزان الكرامة، مأزوم، وهي حتمًا ستنجو وتنتصر.
وفي خضم هذا الصمود الأسطوري، تبقى الرسالة الأهم موجهةً إلى أبنائها، من يسكنون أوجاعها، ويتنفسون هواءها؛ مضمونها أنْ يترفعوا عن المهاترات الجانبية، ويتحرروا من قيود الفرقة والشقاق، ويستشعروا أنّ المسؤولية الملقاة على عاتقهم تنوء بها الجبال، وألّا يسمحوا للتنازع أن يفتَّ في عضدهم، وأن يستذكروا دائمًا وأبدًا قوله تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم». ففي الاتحاد يكمن فجر تعز، وفي فجر تعز يحضر خلاص اليمن الكبير.
