كارثة العقل الواحد لا تبدأ من الاستبداد، بل من سوء فهم العقول مجتمعة على فكرة اسمها “التفاهم”.
حين يظن اثنان أنهما متفاهمان لأنهما متشابهان، لا لأنهما مختلفان يتكاملان، هنا يبدأ الخلل الفلسفي العميق. فالتفاهم الحقيقي لا يعني التطابق، بل القدرة على استيعاب الاختلاف دون الحاجة إلى إلغائه.
“أنا أفهمك، إذن أنا بمستوى تفكيرك”
جملة تبدو في ظاهرها اعترافًا بالآخر، لكنها في جوهرها عملية قياس خفية، تُخضع العقول لمسطرة واحدة، ووزن لا يقبل الزيادة، وتحوّل التنوع إلى تهمة، والاجتهاد إلى خروج عن النص.
العقل الواحد لا يكره الآخرين، هو فقط لا يراهم، ولا يعيرهم اهتمامه.
لا يسمع إلا صدى صوته، ولا يثق إلا بما يشبهه، ولا يطمئن إلا حين يرى نفسه مكررًا في وجوه متعددة. لذلك فهو يعشق “تلاقح الأفكار” بشرط أن تكون جميعها من الفصيلة نفسها، ويحب “تقارب العقليات” ما دامت لا تبتعد خطوة واحدة عن مركزه.
في حضرة العقل الواحد، يصبح الحوار مسرحية فاشلة، وما دامت الأدوار موزعة سلفًا، فالنتيجة معروفة مسبقًا، لأن القرار يُتخذ باسم الجماعة دون أن تُستشار.
هنا تتحول القيادة إلى وصاية، والرأي إلى تعليمات، والنقاش إلى اختبار ولاء.
الفشل الجماعي لا يحدث لأن الجميع أخطأ، بل لأن شخصًا واحدًا قرر أن يفكر نيابة عن الجميع.
وحين يُقصى العقل المختلف، لا يُقصى لأنه مخطئ، بل لأنه مزعج، لأنه يطرح أسئلة لا يحبها القرار الأحادي، ويشكك في يقينٍ هشٍّ يخاف الضوء.
العقل الواحد لا يسقط فجأة، بل يسقط بالتدريج، حين تتشابه العقول أكثر مما يجب، وتتصالح الأفكار قبل أن تتصارع، وتُقتل الأسئلة المصيرية بدعوى أن “المرحلة لا تحتمل”.
وما من فشلٍ جماعيٍّ إلا وكان سببه قرارًا فرديًا، وما من هزيمةٍ فكريةٍ إلا وكانت نتيجتها إقصاء صوتٍ قال: “ماذا لو كنا مخطئين؟”
الخطر الحقيقي ليس في اختلاف العقول، بل في اتفاقها القسري. ليس في تعدد الآراء، بل في رأيٍ واحدٍ يلبس وجوهًا كثيرة.
لهذا، حين تسمع من يقول:
“نحن متفقون” فاعلم يقينًا أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها. وثق كل الثقة أن الكارثة لم تعد احتمالًا، بل أصبحت قرارًا جاهزًا للتنفيذ.
فالعقل الواحد لا يبني جماعة، بل يقودها بثقة، إلى الفشل.
وكما قال جدي، رحمة الله عليه “للقعرورة”.
(القعرورة: السقوط إلى قاع الحفرة)
