إن ما يفرض نفسه اليوم، وبإلحاح شديد، هو مسار المواطن في الداخل وحياته المعيشية التي باتت في وضع لا يحتمل، في ظل غياب فعلي للحكومة عن العاصمة عدن، الأمر الذي أوجد فراغا إداريا وخدميا واضحا، وأضعف القدرة على إدارة الأزمات وتخفيف معاناة الناس.
لقد شهدت الأيام والأسابيع الأخيرة مؤشرات مقلقة في مقدمتها الارتفاع الجنوني للأسعار وتدهور قيمة العملة وغياب الرقابة على الأسواق، إلى جانب تراجع الخدمات الأساسية، والمواطن اليوم يفتقد أبسط مقومات العيش الكريم في وقت لم يعد فيه الراتب - إن وجد - قادرا حتى على تغطية تكاليف المواصلات، ناهيك عن الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة اليومية.
نقدر الجهود التي تُبذل لانتشال الأوضاع، وندرك حجم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، ونؤكد أن ثقتنا لا تزال قائمة في القدرة على تصحيح المسار، لكن الواقع يقول بوضوح إن غياب الحكومة عن الداخل واستمرار الفراغ التنفيذي سيؤديان حتما إلى مزيد من عدم الاستقرار، وقد يفتحان الباب أمام سيناريوهات لا تخدم أحدا.
إن بقاء الحكومة خارج العاصمة عدن، في هذه المرحلة الحرجة، لا ينسجم مع حجم المعاناة التي يعيشها المواطن ولا مع متطلبات إدارة الدولة في زمن الأزمات، فالدولة لا تدار من الخارج ومعركة الاستقرار تبدأ من الداخل، ومن بين الناس ومن ملامسة همومهم اليومية.
وعليه، فإننا نطالب وبصوت المواطن المتعب بسرعة عودة الحكومة إلى العاصمة عدن لتحمل مسؤولياتها الوطنية والدستورية، أو في الحد الأدنى تشكيل حكومة طوارئ ذات مهام محددة وواضحة يكون على رأس أولوياتها:
استقرار الوضع الاقتصادي وكبح جماح الأسعار. تحسين الخدمات الأساسية من الكهرباء، المياه، والصحة وكل ما يهم المواطن. انتظام صرف الرواتب ومعالجة أوضاع الموظفين. تعزيز الأمن والاستقرار وبث الطمأنينة في نفوس المواطنين. وضع خطوات عملية نحو تنمية حقيقية ولو بحدودها الدنيا.
إن استقرار الداخل هو صمام الأمان لأي مسار سياسي. فأي حوار أو مشروع وطني لن يكتب له النجاح إذا كان المواطن جائعا مرهقا فاقدا للأمل.. فالمواطن ليس رقما هامشيا في المعادلة بل هو جوهرها وغايتها.
