شهر يوليو شهر متعب بذاته، شديد القيظ شديد الكآبة. اتسم في حياتنا بالوطأة والقسوة. لا زلت أتذكر يوليو 1994، ونحن نبحث عن قطرة ماء. كل شباب المدينة خاضوا معركة الحياة في مواجهة الموت عطشا، وانتصروا للحياة، أعيد تأهيل آبار المساجد. رحم الله الأستاذ حمدي، كم كان طموحا لإحياء بئر مسجد المحمدي.
لساعات أقف في طابور مسجد خواص حتى يحين دوري للحصول على الماء الذي كان حينها يساوي الحياة حرفيا، جادت علينا بطن الأرض بأعذب المياه وأنقاها على الإطلاق، مثلها الآن لن تجده. كأن الأرض تقول لنا لا تخافوا إني معكم، لا زلت أنبض بالحياة بنبضكم. لا يغرنكم أعداء الحياة.
ننتهي من إحضار الماء ونبدأ رحلة البحث عن ضوء شمعة. استخدمنا كل حيلة لنظفر بقليل من الضوء، في أيام الحرب وحتى بعدها أثبت جنود الكهرباء أنهم جزء منا، وليسوا جزءا من آلة الموت والظلام. عملوا بتفان وإيثار رغم هول القصف الذي استهدف كامل البنية التحتية والخدماتية. ظهر كما لو أن الحرب كانت ضد هذه المؤسسات بالذات لا ضد غيرها. لازلت أتساءل لماذا كلما جن الساسة وجهوا غضب جنونهم نحو (المياه والكهرباء والصحة والمرأة) أربعة أنواع مؤنثة. أليس هذا غريبا؟؟؟
الحرب الحالية لم تشذ عن القاعدة المسنونة بعناية (المرأة، الصحة، المياه والكهرباء). ما هذا العداء المستحكم؟؟؟
هناك مثل يقول “يموت الزمار وأصبعه تلعب”. يصدق هذا المثل الآن ويحضر بحدة حينما ينبعث في يوليو بالذات. يعتقد البعض أن الحرب لم تنل من المرأة كما يجب، فقرروا القيام بالمهمة بأنفسهم كما هي العادة. وإذا كانت المرأة قد استهدفت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي نفسيا ومعنويا وحتى جسديا، لنتذكر حوادث الأسيد على الأقل. لكن ذلك لم يكن إلا امتدادا لأحداث ماضية رديفة للاختفاء القسري، الذاكرة الوطنية مليئة بالمآسي. بالمناسبة تحتفظ ذاكرة عمنا جوجل بصور محزنة كثيرة لانتهاكات العقود الماضية، التي استمرت لاحقا بمتواليات مختلفة، إذا حسبناها حسبة جغرافية. لا أعرف بالضبط لِمَ تكون المرأة حاضرة دائما أو يتم إحضارها إلى الميدان عنوة؟ لنتذكر مثلا ما تعرضت له النساء أثناء ثورة فبراير من جميع الجهات، مع أن شعار الثورة هو البحث عن الدولة المدنية ودولة المواطنة، والكل كان يلوك ذلك الشعار كأنه يقصد نفسه بتلك الدولة.
اليوم عاد الهجوم على المرأة. البعض وجد نفسه عاطلا متبطلا وليس لديه ما يلفت به الأنظار إلا بتوجيه سهامه نحو المرأة. بينما البعض الآخر يريد أن يبعد الأنظار عن نفسه بعد تلك الأشعة الكاشفة التي سلطت عليه فجأة وبكثافة. لا محيص من المواجهة إذن. من يدعو لحكاية المحرم يكشف زيف الادعاء باحترام الدستور وحقوق الإنسان. لماذا تدعي احترام الدستور ثم تذبحه مع كل ثور. كفل الدستور النافذ للموطنين جميعا حقوقا متساوية وليست (خاصة لذكورنا ومحرمة على أزواجنا) إلا إذا كان لدينا مشكلات تخصنا.
الذين خاضوا معركةً ضروساً لإلغاء حصص التربية الرياضية والموسيقية في المناهج الدراسية، واعتبروها رجسا من عمل الشيطان، وظلوا لأمد طويل يحرمون على المرأة كل ما له علاقة بالرياضة والفنون على اختلافها، فجأة وبدون إنذار يتقمصون دور الحداثيين الزائفين، فتراهم يكيلون المديح والإطراء للمرأة التي تحقق نجاحا ما في أي مجال. اليوم مثلا يبدون تعاطفا مع لمى قيس الفائزة في (ذا فويس كيدز)، وليس ذلك فقط، بل ويذهبون للإشادة بالفتاة وفاء السامعي التي وقعت عقدا للاحتراف في كرة القدم في هولندا. هل كانوا سيباركون لو فعلت ذلك في صنعاء أو عدن؟؟؟ دائما، ظاهر الأمر “الفضيلة والرذيلة”، وباطنه سياسة عميقة.
حسبناهم تغيروا، ولم تكتمل الفرحة بالتغيير. من أوسطهم جاء من يستنكر ويستكثر على النساء متابعة الألعاب الرياضية وكرة القدم وكأس العالم حصرا. يا جماعة أيش مشكلتكم؟؟ هل تصديتم لكل القضايا التي تعترض حياتنا، وهي بالمناسبة في غالبها مما صنعت أيديكم؟؟ لماذا تتابعون أنتم كأس العالم وتشجعون فرقا بعينها، إما بدافع السياسة أو بدفع الهواية والترويح، ثم تستنكرون ذلك على النساء. أليس البعض شغوفون بالألعاب الأولمبية والتزلج، والرقص الإيقاعي على الجليد، وهي ألعاب مختلطة؟؟ بل البعض يسافر لمشاهدتها حضوريا بدواعي السياحة والعلاج والصفقات وما اكثرها. صحيح أنهم يستترون لكن ذلك لا ينفي المسألة.
اللافت أن المناهضين للمرأة هم أكثر الناس ضجيجا حول (حلاوة وطلاوة مخرجات حوار موفنبيك)، بينما المخرجات في محتوها الغالب منتج نسوي، لأن (الموالعة) كانوا منشغلين بطقوسهم، وآخرون كذلك لديهم طقوسهم الخاصة التي منعتهم من العلم بمضمون تلك المخرجات... أراكم تهيلون التراب على ما تبقى إن كان قد تبقى شيء.
