أنا يمني، وحين أنتمي إلى اليمن، فإنني أنتمي إلى ذاكرةٍ لم تبدأ بي، ولن تنتهي عندي.
أنتمي إلى أرضٍ كانت تعرف معنى الدولة حين كانت الدولة حلمًا بعيدًا في أماكن كثيرة، وإلى إنسانٍ شقّ في الجبل طريقًا، وأقام في الوادي حياة، وجعل من القليل الذي في يده سببًا للبقاء والاستمرار.
ولهذا لا أخـجل من حاضر اليمن، مهما كان ثقيلًا، ولا أتنكّر لتاريخه حين تشتدّ أزمات اليوم. فالوطـن لا يُحبّ في أيامه السهلة فقط، ولا تُقاس قيمته بحجم ما يقدمه لنا في لحظةٍ من الزمن. الوطن هو الشيء الذي يبقى فينا حين تتغير الأشياء من حولنا.
والوطـن اليوم يقف عند لحظة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
ليـس لأن الوطـن فقد قدرته على النهوض، وإنما لأن كلفة استمرار الانقسام أصبحت أكبر من قدرة الناس على الاحتمال. وكل يوم يمر دون أن تستعيد الدولة معناها، تتسع المسافة بين المواطن ووطنه، وبين المؤسسات ووظيفتها، وبين السياسة والغاية التي وجدت من أجلها.
ومن هـنا تبدأ مسؤولية السياسة؛ فالسياسـة في اليمن لا ينبغي أن تبقى فنًا لإدارة الخصومة، ولا وسيلةً لإعادة توزيع النفوذ، ولا مساحةً مفتوحةً لتجريب التسويات المؤقتة.
السياسـة التي يحتاجها الوطن اليوم هي تلك التي تعيد الاعتبار لفكرة الدولة، وتضع مصلحة الإنسان اليمني في مقدمة الحسابات، وتعرف أن استقرار البلاد ليس مكسبًا لطرف، وإنما حقٌّ للجميع.
نحـن لا نحتاج إلى يمنٍ ينتصر فيه بعض اليمنيين على بعضهم. نحـتاج إلى يمنٍ ينتصر فيه اليمنيون جميعًا على أسباب انكسارهم.
وهـذا لا يتحقق بالشعارات، ولا بإعادة إنتاج الوجوه ذاتها، ولا بتدوير الأزمات من مرحلة إلى أخرى، وإنما بإرادة وطنية تعرف أن التاريخ لا يمنح الدول فرصةً بلا نهاية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ عريق هو أن يعتاد أبناؤه على أزماته.
أن يصـبح انقطاع الدولة أمرًا مألوفًا، وتعدد القرار واقعًا مقبولًا، وتعطيل المؤسسات مشهدًا عاديًا، ومعاناة المواطن خبرًا عابرًا.
عندهـا لا تكون المشكلة في الأزمة وحدها، بل في اعتيادها، واليمن أكبر من أن يتحول إلى وطنٍ يتعايش أبناؤه مع أزمته بدلًا من أن يعملوا على إنهائها.
أنا يمني، ولذلك لا أريد من التاريخ أن يمدحني لأنني ورثت اسمًا عظيمًا؛ أريده أن يسألني ماذا فعلت بهذا الاسم. لا أريد أن أعيش على رصيد الأجداد، بل أريـد أن أكون جديرًا بأن أُضاف إلى رصيدهم.
فاليـمن الذي علّمنا أن الإنسان يستطيع أن يبني من الصخر حياةً، قادر اليوم على أن يبني من بين ركام السياسة دولةً، ومن بين اختلافاته مساحةً للاتفاق، ومن بين سنوات الخوف طريقًا إلى الطمأنينة.
لكـن ذلك يحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن نتوقـف عن النظر إلى اليمن باعتباره غنيمة سياسية، ونبدأ بالنظر إليه باعتباره أمانة تاريخية.
عندهـا فـقط يصبح الاختلاف وسيلةً لإثراء الوطن لا تمزيقه، وتصبح السلطة مسؤوليةً لا امتيازًا، ويصبح المنصب تكليفًا لا مكسبًا، ويصبح القرار السياسي أداةً لحماية الدولة لا وسيلةً لإضعافها.
أنا يمني... ولست بحاجة إلى أن أشرح للتاريخ من أنا. التاريـخ يعرف اليمن. لكـنه، في هذه اللحظة ينتظر أن يعرف ماذا سيفعل اليمنيون بأنفسهم وبوطنهم.
وهـذه المرة لن تكون الإجابة في ما نقوله عن اليمن، وإنما في ما نفعله من أجله.
فإذا سـأل التاريخ عني غدًا، أريد أن يكون جوابي واضحًا: أنا يمني... وجدت وطنًا مثقلًا، فلم أزِد ثقله، ووجدت دولةً متعبةً، فلم أستثمر تعبها، ووجدت شعبًا أنهكته السنوات، فاخترت أن أكون جزءًا من إنقاذه.
وحيـنها فـقط، يكـون لقولنا: «أنـا يمني» المعـنى الذي يستحـقه.
