﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
صدق الله العظيم (سورة الأنفال: 46)
قوة الدول لا تُقاس بما تملكه من أدوات السلطة فحسب، بل بقدرتها على ضمان استمرار الحياة اليومية للمواطنين. فاستقرار الخدمات العامة ليس مجرد مؤشر على كفاءة الإدارة، بل هو تعبير عن متانة الدولة، وفاعلية مؤسساتها، وقدرتها على صون العقد الذي يربطها بالمجتمع. فكلما انتظمت الخدمات، استقرت الأسواق، وتعززت الثقة، واتسعت مساحة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن خلق الأزمات في الخدمات، أو توظيفها في الصراع السياسي، يُعد من أكثر الخيارات كلفة على الدولة والمجتمع. فقد يحقق مكسبًا تكتيكيًا محدودًا لهذا الطرف أو ذاك، لكنه يخلّف خسائر استراتيجية تتجاوز بكثير أي مكاسب آنية. فالأزمة التي تبدأ بانقطاع خدمة لا تقف عند حدودها، بل تمتد إلى الاقتصاد، فترفع كلفة الإنتاج، وتُضعف النشاط التجاري والاستثماري، وتضغط على دخل الأسرة، ثم تنتقل إلى المجتمع، فتزيد الاحتقان، وتُضعف الثقة، وتُعمّق حالة عدم اليقين.
ومع تكرار الأزمات، لا تتراجع كفاءة الخدمات فحسب، بل تتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. فحين يعجز المواطن عن الاعتماد على مؤسسات دولته في تلبية احتياجاته الأساسية، يبدأ بالبحث عن بدائل خارج الإطار المؤسسي، فتتراجع هيبة الدولة تدريجيًا، وتتآكل قدرتها على إدارة المجال العام، مهما امتلكت من سلطات أو تشريعات.
ولا تقف آثار ذلك عند حدود الخدمات، بل تمتد إلى الوعي المجتمعي ذاته. فكل أزمة جديدة تستنزف طاقة المجتمع، وتُشتت أولوياته، وتصرف اهتمامه عن مواجهة التحديات الحقيقية والأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. وبدلًا من توجيه الجهود نحو معالجة جذور الأزمة واستعادة مقومات الدولة، ينشغل المواطن بملاحقة احتياجاته اليومية، فتتراجع الأولويات الوطنية، وتُستنزف الطاقات في إدارة الأزمات بدلًا من تجاوزها، وهو ما يحقق، في المحصلة، خدمةً غير مباشرة للتحديات التي تهدد الدولة وتعرقل مسار تعافيها.
ولهذا، فإن الخدمات العامة لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق للتفاوض، أو أدوات لإدارة الخلافات، أو وسائل لتحقيق مكاسب سياسية. فالدول الراسخة تُحيّد مرافقها الحيوية عن التجاذبات، لأنها تدرك أن شرعية المؤسسات لا تُبنى بتعطيل مصالح الناس، بل بصونها وضمان استمراريتها، وأن أي إصلاح حقيقي يبدأ برفع كفاءة الخدمات، لا بإنتاج الأزمات أو إدارتها.
إن حماية الخدمات العامة ليست قضية إدارية فحسب، بل خيار استراتيجي يرتبط بالأمن الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، وهيبة الدولة. فكل خدمة مستقرة تعني اقتصادًا أكثر قدرة على النمو، ومجتمعًا أكثر تماسكًا، ودولةً أكثر حضورًا وثقة.
ولهذا، فإن تحييد الخدمات عن الصراعات ليس تنازلًا لأي طرف، بل انتصارٌ للدولة، وصونٌ لحقوق المواطن، واستثمارٌ في مستقبل أكثر استقرارًا. فالدول تُبنى بكفاءة مؤسساتها، واستمرار خدماتها، وقدرتها على توحيد جهود مجتمعها نحو مواجهة التحديات الحقيقية، لا بتشتيت تلك الجهود في أزمات تستنزف المواطن، وتُضعف الاقتصاد، وتُقوِّض هيبة الدولة ومؤسساتها.
*نائب وزير الصناعة والتجارة
