في ظل الظروف التي مر بها اليمن خلال السنوات الماضية، لم يكن القطاع الصحي يعمل في بيئة طبيعية أو مستقرة. فقد واجهت المستشفيات والمرافق الصحية تحديات كبيرة، من ضعف التمويل، وتراجع الموارد، واتساع الاحتياج، وزيادة الضغط على الخدمات، إلى الاعتماد الواسع على الدعم الخارجي والمنح الطارئة. ومع ذلك، ظل هذا القطاع حاضرا في حياة الناس، يحاول أن يحافظ على الحد الأدنى من الخدمة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى خطوات أكثر تنظيمًا واستدامة.
وخلال الفترة الماضية، برزت جهود وزارة الصحة العامة والسكان في أكثر من اتجاه. لم تكن الجهود محصورة في إدارة الاحتياج اليومي فقط، بل اتجهت نحو بناء مسار إصلاحي أوسع، يقوم على تقوية المؤسسات الصحية، وتحسين الخدمات النوعية، وتوسيع الشراكات، والبحث عن مصادر تمويل أكثر استقرارا ، بما يجعل المواطن هو المستفيد الأول من أي قرار أو توجه.
وتأتي القرارات الجمهورية الأخيرة بترفيع عدد من المستشفيات إلى هيئات، وإصدار قرارات بقيادات صحية ومراكز نوعية، كواحدة من ثمار هذا المسار. فترفيع المستشفيات إلى هيئات لا ينبغي النظر إليه باعتباره اجراء اداريا فقط، بل خطوة باتجاه تمكين هذه المؤسسات من إدارة أفضل، ومرونة أكبر، وقدرة أوسع على التخطيط، واستقطاب الدعم، وتطوير الخدمات. وهذا ما يحتاجه القطاع الصحي اليوم؛ مؤسسات قادرة على العمل، لا مجرد مرافق مثقلة بالاحتياجات.
وفي هذا السياق، يبرز مركز القلب وزراعة الكلى في تعز كنموذج مهم للخدمات النوعية التي أصبحت قريبة من المواطن، في مدينة عانت كثيرا من آثار الحرب والحصار والضغط السكاني الكبير. فما تحقق في هذا المركز من خدمات في جراحة القلب، والقسطرة، وزراعة الكلى، ثم التوجه نحو خدمات أكثر تقدما ، بما في ذلك زراعة الكبد، يمثل نقلة طبية لا تخص تعز وحدها، بل تعطي رسالة أوسع بأن بناء الخدمة التخصصية داخل اليمن ممكن متى ما توفرت الإرادة، والإدارة، والكادر، والدعم المؤسسي.
كما أن الحديث عن قرب إدخال خدمة علاج السرطان بالإشعاع يمثل خطوة بالغة الأهمية إذا ما اكتملت متطلباتها الفنية والتشغيلية. فمرضى السرطان من أكثر الفئات معاناة بسبب كلفة العلاج، وطول السفر، وصعوبة الانتظام في الجلسات. وإدخال مثل هذه الخدمة داخل البلاد لا يعني إضافة جهاز أو قسم جديد فقط، بل يعني تخفيف رحلة ألم طويلة على المرضى وأسرهم، وتقليل الحاجة إلى السفر، وتعزيز ثقة المواطن بقدرة المؤسسات الصحية الوطنية على تقديم خدمات متقدمة.
ومن الجوانب المهمة التي تستحق الإشارة ايضاً ، توجه وزارة الصحة نحو توطين الصناعات الدوائية ودعم الإنتاج المحلي. فهذا التوجه لا يرتبط بالاقتصاد وحده، بل يرتبط بالأمن الصحي والدوائي للبلد. فكلما توسعت قدرة اليمن على إنتاج جزء من احتياجاته الدوائية محليًا، تقلصت هشاشة السوق أمام الأزمات، وتحسنت فرص توفير الأدوية الأساسية، وأصبح القطاع الصحي أقل عرضة للتقلبات الخارجية. ومن هنا تبدو جهود الوزارة في هذا الملف جزءًا من رؤية أوسع لبناء نظام صحي أكثر قدرة على الصمود.
ولعل من أهم التحولات التي شهدها القطاع الصحي مؤخرًا صدور القرار الجمهوري بإنشاء صندوق الصحة، بالشراكة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وجاء هذا التوجه بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد الكامل على التمويلات الخارجية المتقطعة لا يكفي لبناء قطاع صحي مستقر. فالخدمة الصحية تحتاج إلى تمويل مستدام، وإلى آلية منظمة تدعم تشغيل المرافق، وبناء قدرات الوزارة، وتحسين الجاهزية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية والنوعية.
إن صندوق الصحة يمثل تفكيرا مختلفا في إدارة الملف الصحي؛ تفكيرا ينتقل من انتظار التمويل إلى صناعة أداة وطنية أكثر تنظيمًا لاستدامة الخدمة. كما أنه يعكس عمق الشراكة اليمنية السعودية في قطاع يمس حياة الناس بصورة مباشرة. فالدعم في المجال الصحي لا يقتصر أثره على المستشفيات، بل يصل إلى كل أسرة تبحث عن علاج، وكل مريض ينتظر خدمة، وكل محافظة تحتاج إلى مرفق يعمل بكفاءة.
وفي الإطار نفسه، يأتي صدور القرار الرئاسي المتعلق بتنظيم ملف الجرحى باعتباره خطوة إنسانية ووطنية مهمة. فالجرحى يحتاجون إلى منظومة رعاية واضحة، تبدأ من الحصر والتقييم، ولا تنتهي عند العلاج والتأهيل والمتابعة. وهذا الملف لا يمكن التعامل معه بإجراءات متفرقة أو حلول مؤقتة، بل يحتاج إلى إدارة مؤسسية تراعي حق الجريح، وتحفظ كرامته، وتنظم العلاقة بين الجهات المعنية. وهنا يبرز الدور الصحي باعتباره دورا محوريا في تقديم الرعاية، والتأهيل، والتنسيق، وضمان أن تتحول التضحيات إلى التزام رسمي منظم.
إن ما تحقق خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن قيادة وزارة الصحة لهذا المسار، بقيادة معالي وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم محمد بحيبح. فقد جاءت كثير من هذه الخطوات نتيجة متابعة وتراكم وجهد مؤسسي، لا نتيجة قرار منفرد أو لحظة عابرة. وقد كان واضحا أن الوزارة تحاول الانتقال من التعامل مع الأزمة كواقع دائم، إلى بناء أدوات تساعد القطاع الصحي على الصمود والتطور.
ولا يعني ذلك أن التحديات انتهت، أو أن الطريق أصبح سهلًا. فالقطاع الصحي لا يزال بحاجة إلى موارد أكبر، وكوادر أكثر استقرارا ، وبنية تحتية أقوى، ونظام تمويل أوسع، وعدالة أكبر في توزيع الخدمات بين المحافظات. لكن المهم أن هناك مسارا بدأ يتشكل، وأن هناك قرارات ومشاريع وخدمات نوعية بدأت تضع أساسًا يمكن البناء عليه.
كما أن هذه الجهود ما كانت لتصل إلى هذا المستوى لولا الدعم السياسي من فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ودولة رئيس مجلس الوزراء، اللذين منحا الملف الصحي مساحة مهمة ضمن أولويات الدولة. فصدور القرارات الجمهورية، ودعم مسارات الإصلاح، وتبني الشراكات الاستراتيجية، كلها مؤشرات على أن الصحة لم تعد تُعامل كقطاع خدمي فقط، بل كملف وطني مرتبط بحياة المواطن وبحضور الدولة وثقة الناس بمؤسساتها.
إن المواطن لا يقرأ كل التفاصيل الإدارية، ولا يتابع كل الاجتماعات والقرارات، لكنه يشعر بالنتيجة حين يجد خدمة أقرب، أو دواء متاحا ، أو مركزا نوعيا يعمل، أو مريضا كان سيغادر للعلاج في الخارج ثم وجد فرصة للعلاج داخل بلده. ومن هنا تكتسب هذه الجهود قيمتها الحقيقية؛ لأنها تقترب من احتياج الناس، وتترجم القرارات إلى أثر.
اليوم، يبدو القطاع الصحي أمام مرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاستدامة، ومن الاعتماد الكامل على الدعم الطارئ إلى البحث عن أدوات تمويل أكثر ثباتًا، ومن بقاء الخدمة بصعوبة إلى تطوير خدمات نوعية داخل البلاد. وهذا المسار، رغم صعوبته، يستحق الإسناد والتقدير؛ لأنه يمس الإنسان أولًا، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الصحة حق أساسي، وأن بناء الدولة يبدأ من خدمة المواطن.
وإذا كان من إنصاف واجب، فهو أن تُقرأ هذه الجهود ضمن سياقها الصعب. ففي بلد أنهكته الحرب، يصبح استمرار الخدمة إنجازًا، وتطويرها خطوة شجاعة، وتوطين الدواء رؤية بعيدة، وإدخال الخدمات النوعية رسالة أمل، وإنشاء صندوق للصحة بداية لتفكير مستدام. وبين هذه المسارات كلها، تتضح ملامح جهد صحي متراكم، تقوده وزارة الصحة، وتحظى بدعم القيادة السياسية والحكومة، وتستند إلى شراكات صادقة، وفي مقدمتها الشراكة مع المملكة العربية السعودية.
هذه ليست نهاية الطريق، لكنها بداية أكثر نضجا لمسار صحي يحتاجه اليمنيون، ويستحقون أن يلمسوا أثره في المستشفى، وفي الدواء، وفي المركز التخصصي، وفي خدمة تحفظ كرامتهم وتخفف معاناتهم.
* وكيل وزارة الصحة المساعد لقطاع السكان
