في لحظات التوتر والتحولات، تنكشف معادن المجتمعات.. لا من خلال شعاراتها، بل عبر خطابها اليومي وسلوك أفرادها. وما نشهده اليوم من تصاعد في نبرة المناطقية والعنصرية ليس مجرد انفعال عابر، بل مؤشر مقلق على خلل أعمق في الوعي الجمعي، يستدعي وقفة جادة ومسؤولة.
عدن، عبر تاريخها، لم تكن مدينة مغلقة على ذاتها، بل شكلت فضاءً إنسانيًا رحبًا احتضن التنوع، ونجحت في تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة لا إلى سبب صراع. هذه الهوية لم تُبنَ صدفة، بل تشكلت عبر تراكم ثقافي واجتماعي جعل من التعايش قيمة راسخة، ومن الانفتاح سمة أساسية في شخصية المدينة.
غير أن هذا الإرث يواجه اليوم تحديًا حقيقيًا. فمع انتشار وسائل التواصل وتسارع تداول الخطاب، بات من السهل تضخيم الأصوات المتطرفة، ومنحها حضورًا يفوق حجمها الطبيعي. هنا تكمن الخطورة: حين يتحول الشاذ إلى مألوف، والخطاب الإقصائي إلى رأي عادي، فإننا نكون أمام بداية تآكل في بنية المجتمع.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود خطاب كراهية، فهذا موجود في كل المجتمعات، بل في طريقة التعامل معه. التغاضي عنه أو تبريره أو حتى الرد عليه بذات أدواته، كلها ممارسات تسهم - بشكل مباشر أو غير مباشر - في ترسيخه. المواجهة الحقيقية لا تكون بالانزلاق إلى نفس المستوى، بل بإعادة الاعتبار للخطاب العقلاني، وتعزيز ثقافة النقد المسؤول، وربط حرية التعبير بمسؤوليتها الأخلاقية.
كما أن دور المؤسسات، الرسمية والمجتمعية، يظل محوريًا في هذا السياق. فالقانون يجب أن يكون حاضرًا لضبط التجاوزات، والتعليم مطالب بإعادة بناء الوعي على أسس المواطنة، والإعلام معنيّ بتقديم نماذج خطابية راقية تعيد توجيه البوصلة نحو القيم الجامعة لا الفُرقة.
إن حماية عدن ليست مهمة عاطفية أو شعاراتية، بل مسؤولية عملية تتطلب وعيًا مستمرًا بأن الكراهية، متى ما تُركت دون مواجهة، تتحول إلى عدوى تنتشر بصمت حتى تصيب الجسد كله. وحينها، لا تعود المعالجة سهلة أو سريعة.
عدن ليست مجرد جغرافيا، بل فكرة. فكرة التعايش، والانفتاح، والقدرة على احتواء الاختلاف. وهذه الفكرة، إن لم تُصن بالوعي والعمل، قد تتآكل تحت ضغط الخطابات الضيقة. الحفاظ عليها اليوم هو دفاع عن المستقبل، لا عن الماضي فقط.
