في توقيت سياسي وإعلامي بالغ الحساسية، تأتي إعادة منح الثقة لمعمر الإرياني وتجديد تكليفه وزيرًا للإعلام كرسالة سياسية واضحة المعنى: أن المرحلة لا تحتمل الرمادية، ولا تُدار بالمجاملات، بل تحتاج إلى أصوات واضحة، ومواقف صلبة، وقدرة على خوض معركة الوعي دون تردد.
لم تكن إعادة الثقة مجرد إجراء إداري أو تدوير أسماء، بل اعترافًا بدور وزير شكّل استثناءً في مشهد حكومي غالبًا ما يتجنّب الصدام المباشر. فمعمر الإرياني يُعد الوزير الوحيد الذي واجه مشروع الكهنوت بشكل علني وممنهج، وانتقده من جذوره الفكرية والسياسية، وكشف ممارساته وفضائحه أمام الرأي العام المحلي والدولي، دون مواربة أو حسابات ضيقة.
منذ توليه حقيبة الإعلام، تعامل الإرياني مع منصبه باعتباره جبهة سيادة وطنية لا منصة بروتوكولية. أدرك أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الرواية، وفي الوعي، وفي من يمتلك حق تعريف الحقيقة. لذلك انتقل بالإعلام الرسمي من موقع الدفاع المتردد إلى موقع الهجوم الواعي، ومن ردّ الفعل إلى صناعة التأثير.
وفي مواجهة السياسات الكهنوتية التي تقوم على احتكار الحقيقة وتقديس السلالة وتوظيف الدين لتبرير القمع والنهب، لم يلجأ الإرياني إلى اللغة الرمزية أو التوصيفات الملتبسة، بل سمّى الأشياء بأسمائها. كشف كيف يُستخدم الخطاب الديني غطاءً لمشروع سلطوي إقصائي، وكيف تُحوَّل مؤسسات الدولة والموارد العامة إلى أدوات للهيمنة، وكيف تُدار الانتهاكات كسياسة ممنهجة لا كأخطاء عابرة.
تميّزت تجربته بفهم عميق لطبيعة الإعلام الحديث، حيث لم يعد البيان وحده كافيًا، ولا التصريح الموسمي مجديًا. فالإعلام اليوم منظومة متكاملة تشمل المنصات الرقمية، والصحافة الدولية، والمنظمات الحقوقية، ومراكز التأثير. من هنا اشتغل الإرياني على تراكم الرواية الوطنية، عبر التوثيق، وربط الوقائع بسياقها القانوني والسياسي، وتحويل القضايا إلى ملفات حاضرة في النقاش الدولي.
وفي مواجهة حملات التضليل المنظمة، لم ينجرّ إلى النفي الانفعالي أو الخطاب الشعبوي، بل اعتمد التفكيك الهادئ المدعوم بالوقائع، وهو ما منح الخطاب الرسمي قدرًا من المصداقية، وجعله أكثر قدرة على الصمود أمام التشكيك والاختراق.
كما أدرك مبكرًا خطورة الفضاء الرقمي، حيث تُصنع القناعات اليوم خارج الأطر التقليدية. فجاء حضوره الإعلامي متزنًا، مباشرًا، قائمًا على المعلومة الدقيقة، دون تهريج أو استعراض، وهو ما جعله صوتًا مؤثرًا حتى لدى المتابعين خارج الدوائر الرسمية.
اللافت في مسيرة الإرياني أنه كسر الصورة النمطية لوزير الإعلام كـ«ناقل للموقف»، وتحول إلى شريك فعلي في صياغة الموقف السياسي والإعلامي. فالكلمة لديه محسوبة التوقيت، مدروسة الأثر، يدرك أن زلّتها قد تربك المشهد، كما أن دقتها قد تحمي الدولة في لحظة فارقة.
ومن هنا، فإن تجديد ثقة القيادة السياسية وإعادة تكليفه وزيرًا للإعلام لا يبدو مكافأة شخصية، بقدر ما هو تأكيد على أن المرحلة تتطلب الاستمرارية، والخبرة، والوضوح في مواجهة المشاريع التي تستهدف الدولة والمجتمع معًا.
في المحصلة، لا يمثل معمر الإرياني مجرد اسم في حكومة، بل نموذجًا لمسؤول اختار المواجهة بدل الصمت، والحقيقة بدل المساومة، والإعلام كسلاح وعي في مواجهة الكهنوت لا كصدى للأحداث فقط. ومع تجديد الثقة به، يتأكد أن معركة الكلمة ما زالت في صدارة معارك بناء الدولة، وأن من يجرؤ على خوضها بوضوح، هو الأجدر بقيادتها.
