قبل أيامٍ قليلة من تسلُّم الصومال الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، مطلع هذا الشهر ، جاءت «هدية» عيد الميلاد من الكيان الإسرائيلي، لا في شكل تهنئة، بل على هيئة لغمٍ سياسي؛ تمثّل في إعلان بنيامين نيتانياهو الاعتراف بإقليم «أرض الصومال»، في سابقة مرفوضة دولياً، وخطوة تشكّل خرقاً سافرا للقانون الدولي .
إن خطوة الاحتلال الإسرائيلي بالاعتراف بكيان «صوماليلاند» - وهو كيان لم يحظَ بأي اعتراف دولي منذ إعلانه قبل أكثر من ثلاثة عقود - ليست حدثا عابرا، بل شرارة تعيد قضية الصومال إلى واجهة الاهتمام العربي قبل الدولي، وربما تشعل السهل كلّه.
ويُعدّ هذا الاعتراف سابقة خطيرة وتهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين، لأنه لا ينفصل عن مخططٍ معلن يهدف إلى تعميق التشظي، لا في الصومال وحده، بل في عموم الوطن العربي.
قوبل الاعتراف الصهيوني بكيان أرض الصومال، برفض رسمي واسع وغضب شعبي عام في المنطقة كلها.
حتى إن ما يسمى رئيس هذا الإقليم عبدالرحمن عبدالله ( سيرو)، عندما اراد ان يغادره الأسبوع الماضي، غادره خلسة، ليظهر قبل أربعة أيام، في جلسة عشاء جانبية غير رسمية بدافوس، مع رئيس الكيان الإسرائيلي، اللقاء المسروق لفت إليه بعض الفضول الإعلامي بكونه إنجازا للإقليم غير المعترف بجمهوريته. بينما هو تأكيد مسار الضياع الذي يصيبنا جميعا.
كان الصومال أول الجرح في هذه المنطقة؛ بلدٌ عربي، وعضو في جامعة الدول العربية، بقي مع العرب حين لم يكونوا معه. فحين سقطت الدولة، لم تمتد أيادي الإنقاذ كما ينبغي، وتحوّل الصومال في الذاكرة الجمعية إلى صورة نمطية تختزل تاريخه في صراعات قبلية، أو لاجئين تائهين، أو في أحسن صوره بمواقف النائبة إلهان عمر وتصديها لحملات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وغاب عن كثيرين أن جمهورية الصومال الديمقراطية، الواقعة في القرن الإفريقي، دولة عربية بامتياز وشعب شقيق كريم ، تمتلك أطول ساحل بحري في قارة إفريقيا، وتطل على خليج عدن، وتلتقي حدودها البحرية الشمالية مع اليمن، ما يجعلها ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي العربي.
ومع رحيل بطرس غالي عن الأمم المتحدة، تراجع ملف الصومال عن دائرة الاهتمام في أروقة المنظمة الدولية، وتُرك البلد فريسة للاقتتال الداخلي، والإهمال العربي، ونهباً للأطماع الإقليمية والدولية.
اليوم، تعود القضية بالجرح القديم ذاته: الانقسام الداخلي، وغياب الاهتمام العربي الجاد.
وتأتي إسرائيل لتعلن واحدة من أخطر خطوات مشروعها الرامي إلى تعميق التشظي وضرب الاستقرار العربي، عبر بوابته الجنوبية، حيث باب المندب، وخليج عدن، والمحيط الهندي.
ولا تحتاج الرؤية السياسية الاستراتيجية إلى كثير شرح لفهم مخاطر تحويل ممراتنا البحرية وسواحلنا إلى مسارح مفتوحة لصراعات النفوذ، وما يترتب على ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي من أقصاه إلى أقصاه.
إن قصة «إقليم صوماليلاند» تعيد اليوم تسليط الضوء على ملف الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، وعلى ضرورة دعم وحدة الصومال كدولة، والتعامل مع هذه القضية بما تستحقه من جدية ومسئولية.
لقد رافق إعلان انفصال الإقليم عام 1991 ، وإعلانه ما سُمّي «جمهورية أرض الصومال»، صمتٌ عربي طويل، رغم بقاء ذلك الإعلان مرفوضا دوليا، ودون أي اعتراف رسمي لأكثر من ثلاثة عقود.
غير أن هذا الصمت لم يعد مقبولا اليوم. وأمام الدول العربية فرصة حقيقية لاستعادة الدور، والتصدي لعبث إسرائيل ومخططات بنيامين نيتانياهو، الذي يحاول الهروب من أزماته الداخلية بإشعال حرائق جديدة في المنطقة.
وإذا كان الإجماع العربي والدولي قد عبّر عن رفضه هذا الاعتراف الصهيوني الجزئي، فإن المطلوب هو تجاوز بيانات الشجب، إلى فعلٍ سياسي حقيقي يسهم في استقرار دول المنطقة، ويرسم خريطة تعاون لوقف مسار التشظي، الذي لا ينتج إلا فوضى جديدة… غير خلاقة.
وربَّ شررٍ يشعلُ السهلَ كلَّه.
