لعل ما يحدث في عالمنا اليوم يعكس قيمة الواقع الذي نحن فيه، عالم متغير خالٍ من القيم والمبادئ والأخلاق في العالم الرقمي، الذي يهدم القيم الأخلاقية ويؤثر سلبا في الوعي المجتمعي من خلال نشر المفاهيم الخاطئة، حتى أصبحت وسيلة تفرض نفسها داخل المجتمع علينا، وهو ما يحدث اليوم من تضليل للرأي العام خاصة في قنوات التواصل الاجتماعي، وهذا ما يذكرني بفيلم قديم لعادل أمام أظن اسمه (واحدة بواحدة)، فيلم يتحدث عن الفنكوش، وهو منتج وهمي غير موجود أصلا في الواقع، إلا أن عادل إمام الموظف في شركة إعلانات استطاع أن يجذب الناس إلى هذا الإعلان الوهمي وجعل منه قيمة، انتظر الناس قدوم هذا المنتج الذي هو غير موجود أصلا.
الحقيقة أن الفيلم يوضح لنا سطوة الإعلام في تلك الفترة (ثمانينيات القرن الفائت)، وكيف يستطيع أن يوجه الناس إلى غير الحقيقة والواقع، وذلك ما كان يحدث قبل السوشيال ميديا والنت وقنوات التواصل الاجتماعي، ولعل ما يحدث اليوم في الإعلام الرقمي أصبح شيئا من الهوس والجنون وخارج حدود المنطق. الكثير من الناس أصبحوا يعيشون الوهم من خلال هذه القنوات أو ما يسمى “الذباب الإلكتروني”، نقل وقائع زائفة وحقائق مزيفة وتصويره عبر الذكاء الاصطناعي كأنها حقائق حدثت، وتلك معضلة كبيرة لأن الناس تتفاعل معها وتؤمن بها كحقائق حدثت بالفعل، وهي مغالطة وصناعة للوهم، مما يعزز نشر الفوضى في المجتمع ونشر الأخبار الكاذبة وتضليل الرأي العام.
الغريب في الأمر أنه حين توضح لهؤلاء الناس أن هذا غير صحيح، وأن هذا فوتوشوب أو ذكاء اصطناعي لا يقتنعون، ولا أستغرب ذلك، فكيف لهم أن يميزوا أن هذا غير حقيقي وأنه مجرد ذكاء اصطناعي لقلب الواقع والحقيقة، حتى الفئة المثقفة في المجتمع التي يعول عليها أنها أكثر الناس فهما وإدراكا للأسف ينخدعون ولا يمكن أن يميز ذلك إلا المختصون في هذا المجال أو صانعو المحتوى.
مصيبة نعيشها اليوم وهي أننا نعيش في عالم من الوهم وتزييف الحقائق في عالم الذكاء الاصطناعي، وأصبحنا مجرد أدوات فرجة نتتبع الأخبار من قنوات التواصل الاجتماعي وشاشات الجوال ونصدق كل ما يملى علينا، ولا يعني هذا أننا نقاطع هذا الفضاء الرقمي الواسع، بل الحقيقة هي أننا لا يمكن لنا الاستغناء عنه، فمن المهم جدا لنا التواصل مع العالم الرقمي ولكن بحذر شديد، ولا ننجر خلف ما يعرض لنا في هذا العالم الفنكوش، زمن صناعة الوهم وتغيير الحقائق.
