في عام 1967، رفع اليمنيون راية الحرية فوق سماء عاصمتنا المؤقتة الغالية عدن، وأعلنوا للعالم أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن الاستعمار - مهما طال مقامه - لا يملك أمام صمود الأحرار سوى الرحيل.
إنه يومٌ يحتفي فيه اليمني بكرامته، وبقدرة هذا الشعب العظيم على نزع الأغلال وصناعة فجره بيده.
لكننا اليوم، ونحن نستحضر بطولات نوفمبر وروحه التحررية، نقف أمام نوعٍ آخر من الاستعمار لا تقلّ خطورته عن جيوش الأمس؛ استعمارٌ يتخفّى بعباءة الانتماء، ويستهدف روح الإنسان اليمني قبل أرضه. إنه استعمار داخلي يفتك بيمننا الغالي، متمثلًا في مليشيا الحوثي، الذراع الإيرانية الجاثمة على صدور أهلنا، تمعن في تقويض الدولة ونهب الثروات، وزرع الكراهية، وإحياء العنصرية، وتدمير النسيج الاجتماعي، وتلغيم حاضر اليمن ومستقبله بفكرٍ دخيل لا ينتمي لقيم اليمن وحضارته، ولا لدينه وأعرافه.
إنه استعمار لا يأتي بالسفن والبوارج، بل يأتي بمشروع ظلامي يستهدف الهوية، ويسرق القرار، ويحوّل الإنسان إلى تابع لا مواطن، تمامًا كما يصفه شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، رحمه الله:
غُزاةُ اليومِ كالطَّاعون
يخفى وهو يستشري
يُحجرُ مولدَ الآتي
يُوشي الحاضرَ المُزري
يمانيُّون في المَنفى
ومَنفيُّون في اليمَنِ
ومع هذا الخطر الخارجي الملبّس بلون الداخل، هناك صنفٌ آخر من الاستعمار لا يقلّ عبئًا على أكتاف الوطن، إنه استعمار الأثرة والمصالح الشخصية، واستعمار الخلافات المناطقية والحزبية والمذهبية التي مزّقت صفوف اليمنيين، وأضعفت حضور الدولة، وفتحت أبوابًا واسعة للشرور القادمة من كل اتجاه.
هذه الانقسامات ليست مجرد اختلافات رأي، إنها احتلال داخلي للنوايا، يختطف القرار ويعيق النهوض، ويجعل معركة التحرير أصعب وأطول.
وإن مسؤوليتنا اليوم - دولةً ومؤسساتٍ دينيةً وسياسيةً واجتماعية - أن نستلهم روح نوفمبر، ونتعامل مع كل هذه التحديات بوحدة صف، ونظافة يد، واتساع صدر، وإعلاء لمصلحة اليمن فوق كل اعتبار.
فلا يمكن أن ننتصر على مشروع الإمامة إن كنا أسرى لاستعمار حظوظ النفس.
ولا يمكن أن تستعاد الدولة ما لم نحرّر أنفسنا من نزعات الفرقة والخصومة، ونعود إلى مشروع وطني جامع تدعمه قيم الدين الحنيف في العدل والتسامح والإخاء وحفظ الكرامة الإنسانية.
إن الثلاثين من نوفمبر ليس مجرد ذكرى، بل تكليفٌ أخلاقي ورسالة وطنية تُلزمنا بالوقوف صفًا واحدًا حتى يعود اليمن حرًا، موحدًا، آمنًا، وتستعاد دولته ومؤسساته ويُرفع الظلم عن كل أبنائه.
رحم الله شهداء التحرير الأول، وثبّت الله أقدام رجال التحرير الثاني، وحفظ اليمن من كل شر.
