فضائيات العرب :
نتحدث عن (الإعلام الهادف) أو عن ( الإعلام الملتزم)، ولكن الحديث لايذهب - غالباً - في التفصيل أبعد من ذلك . ربما لأن التفصيل والشرح بحاجة إلى إجراء مقاربات ومقارنات لايحبذ بعضنا البوح بها وآخرون لايجرؤون على فعل ذلك لأسبابهم الخاصة. الجميع لديهم ملاحظات ومآخذ، مختلفة ومتنوعة كماً وكيفاً ، حول الأداء المهني والرسالي الذي يمارس عبر وسائل الإعلام المختلفة (مقروءة ، مسموعة ، مرئية) وخصوصاً الفضائيات أو القنوات الفضائية - العربية، في وقت يشهد كثرة كمية في عدد القنوات الفضائية العربية ، على حساب النوعية ومضمون الخدمة والرسالة المهنية التي تقدمها وتلتزم لها الفضائيات .وفيما تتباعد الآراء والتقييمات، وتختلف الميولات الشخصية فتؤثر في نوعية الحكم والتقييم الشخصي على أداء هذه الوسيلة أو تلك، لايبدو ملاحظاً بأن الوسائل الإعلامية والقنوات المعنية تهتم كثيراً برأي الجمهور، أو تعول في توجيه ومراجعة أدائها بناء على ما يقوله المشاهد والقارئ أو مراعاة لأولوياته وحاجياته ( المهنية والموضوعية)! تواصل الوسائل الإعلامية عملها وكأنها غير معنية بجمهور مستهدف ويجب أن يؤخذ رأيه ووعيه بعين الاعتبار ، على الأقل فإن جزءاً كبيراً من الوسائل والمنابر والفضائيات هي على هذه العادة، في الاسترسال مع الذات ومع القناعة الشخصية (للوسيلة أو لمن يملكها ويمولها ) دونما اكتراث بالطرف الأهم في المعادلة الإعلامية .. وهو الجمهور المتلقي والذي يجعل من الإعلام قيمة وقوة ويمنحه المعنى النهائي من وجوده كإعلام في حياة الناس وشؤون المجتمعات والشعوب الحية. عشرات ، لا بل مئات الفضائيات الناطقة بالعربية تتزاحم الفضاء وتتسابق لاكتساب الشعبية والجماهيرية، ولكن من طريق آخر لا يمر بالضرورة بالشعوب والجماهير وأولوياتها ، وإنما من منطلق فوقي واستعلائي يلقن الجماهير ولا ينطق عنها بل يقولها أو يعطي لنفسه الحق في تحديد قائمة ، بما يفترض القائمون على الإعلام أن هذا هو ما تريد أن تقوله الجماهير! وتبقى الجماهير العربية معلقة - أو بالأصح والأحرى عالقة - بين أنظمة وحكومات تتحدث وترطن باسم الجماهير ، وإعلام يهرف ويصخب ويضج نيابة عن الجماهير وباسمها! وكلا الطرفين يعطي نفسه حقاً زائداً وشرعية مسلوبة أو مؤممة وليست حقيقية لأن الجماهير لم تخول أحداً - بالنيابة عنها حصراً، وكل ما هناك أن ديمقراطية الشارع العربي - الزائفة والمجهلة - انعكست من السياسة إلى الإعلام ، فأمسينا بين ديكتاتوريتين: الأنظمة والإعلام ، وعلينا أن نصفق للجميع إذ لانملك الكثير من الخيارات !! لم أشأ الاسترسال هكذا ، لولا أن طبيعة الموضوع والمجال أوسع من أن يحصرها الإيجاز ، وكنت أرغب أو أهدف إلى التنويه بقناة فضائية عربية تبث من لندن، وتقدم - بتواضع جم ، وبساطة مبرأة من التبسيط المخل أو التعقيد المتكلف والممل - رسالة مهنية جديرة بأن تحترم وتوقر. اختارت قناة ( المستقلة ) أن تشغل المنطقة الشاغرة - وهي الأهم - في الفضاء الإعلامي العربي ، أعني منطقة الوسط ، ولهذا السبب ذاته فهي تناضل وتكافح لتأسيس قاعدة متينة لإعلام هادف ، يجمع ولا يفرق ، يثير الأفكار ولايفكر بمجرد الإثارة، لا يشغل نفسه بالهجوم بقدر مايتبنى الدفاع عن القضايا المحقة والترويج لثقافة الحوار بعيداً عن ثقافة المناطحة واستعراض العضلات الفارغة من المعنى والقيمة. تشتغل (المستقلة) على قضايا فكرية وفلسفية وحضارية لا تؤخذ إلا بالحوار الجاد والتفكير التحليلي والاستقراء النظري المعمق ، وهي كلها معايير وقيم لا تتوافر عليها فضائيات الزوبعة والهدر الكلامي تبعاً للهدر المالي. لهذه ولغيرها من الأسباب يجب أن نحيي(المستقلة) ونشد على أيدي القائمين عليها ونبارك للدكتور الهاشمي مشروعه - الذي هو في النهاية والحقيقة مشروعنا الجماعي - الحاضر الغائب. ولاشك عندي في أن ثمة نقداً مهنياً وملاحظات موضوعية يجب أن تقال وتطرح للنقاش حول مجموع أداء وبرامج القناة، وهذا أمر طبيعي ومطلوب إلا أن الأهم هو أن القناة تبدي سعة صدر لتقبل النقد، وأفهم بأنها تحاول عن رغبة وإرادة حقيقية التطوير في رسالتها شكلاً ومضموناً. وقد لا يمكن الانصراف قبل عقد مقارنة عابرة وملحة بين إمكانات مادية هائلة تستحوذ عليها قنوات وفضائيات عربية تصدر الغثاء والغباء والخواء ، وإمكانات متواضعة جداً تتوافر عليها قناة (المستقلة) حيث المؤسسات والدوائر العربية الرسمية، غير معنية بدعم وتشجيع الإعلام الهادف والرسالي لأسباب ليست غائبة عن الفهم والوعي وتتعلق بالظاهرة الصوتية والصنمية التي تتكرس في السياسة والإعلام على السواء. كما أن رأس المالي العربي يزهد في الإعلان بقناة ملتزمة كالمستقلة، ولكنه أسرع وأوسع يداً للإنفاق على إعلانات بقنوات ( هزي يا نواعم ) أو (شخبط شخابيط لخبط لخابيط ) مع الاعتذار لناسي عجرم!!!
