غضون
* أيام زمان كان يقال: حاج وبياع مسابح.. فلا غضاضة في الجمع بين العبادة والتجارة، فهذا حلال كون دستور المسلمين الأعظم قد قرر أن المسلم عندما يؤدي فريضة الحج مباح له في الوقت نفسه أن يشهد منافع له.. لكن بعض المسلمين في وقتنا هذا غيروا الصورة تماماً. القرب من الله لم يعد قرب القلوب والعقول بل تخطي رقاب الناس في المساجد بأي طريقة للوصول إلى الصف الأول تحت الخطيب أو خلف الإمام، ويحرص على ذلك حتى الذين يأتون إلى المساجد آخر الناس أو آخر الوقت.. وكأن الله بنظرهم كائن مادي يجلس على مسافة قريبة خلف المحراب. العمرة أو الحج بنظر هذا البعض فريضة وفي الوقت نفسه لا بأس معها من تجاوز بيع المسابح إلى بيع المخدرات، والمتاجرة بالمضار والمحرمات بدلاً عن المنافع والمباحات، رئيس شرطة إيران قال قبل يومين إن شرطة مكافحة المخدرات ألقت القبض على ( 1069) إيرانياً في المطارات كانوا متوجهين لأداء العمرة، وإن السعودية اعتقلت أكثر من (300) حاج العام الماضي وهم محبوسون إلى الآن في سجونها.. لماذا؟ الجواب ببساطة أن هؤلاء المعتمرين والحجاج كانت بحوزتهم مخدرات.. أفيون.. حشيش.. هيروين.. وغيرها، وبعض المحبوسين هم ممن سرقوا خيوطاً من أستار الكعبة وكسوتها المطرزة بالذهب.* هذه الشناعة لا تقتصر على مسلم إيراني.. بل هي مجرد شاهد واحد لشواهد أخرى لحالة الانفصام والجمع بين المتضادات داخل الشخصية المسلمة.. يفد أحدهم من باكستان للحج حاملاً معه صندوق مصاحف محشوة بالمخدرات.. وتأتي أخرى من اليمن أو الشام لبيع اللذة.هذا وغيره يحدث في مواقف أخرى ومع الفرائض الدينية كلها.. تصوروا كم هو موحش ومؤلم ومخيف أن يبلغ التصالح بين المتناقضات والجمع بينها إلى هذا المستوى من الاندماج في شخصية المسلم وسلوكه دون أن يلاحظ أحياناً هذا التناقض أو إذا لاحظ ذلك لا يراجع نفسه ويعتبر ذلك من الضرورات أو المألوف.* رجال الدين والوعاظ ينبغي أن يطلعوا على علوم الاجتماع وعلم النفس لكي يحللوا هذه الظاهرة التي يجب أن تسترعي اهتمامهم.. وبدلاً من الاشتغال بالسياسة والمكايدات وإشغال الناس بالمظاهر والنوافل ينبغي أن يوجهوا جزءاً من خطابهم لنقد هذه الظاهرة وفضح ذلك السلوك وبيان أسبابه ومخاطره وكيفية الإقلاع عنه. بالطبع لا يمكن الطعن في إيمان أصحاب هذا السلوك، ولا أعتقد أن المسألة لها علاقة بضعف الإيمان أو قوته بقدر ما لها علاقة بالعوامل الاجتماعية والنفسية.. لابد أن هناك أسباباً أخرى تجعل مثل هؤلاء المسلمين يؤمنون بشيء ويمارسون معه ما يناقضه.. ويقول شيئاً ويعمل عكسه.. ينهى مع الناهين عن المنكر ومع ذلك يتعمد المنكر ويتعايش داخله المحظور والمباح والمعروف والمنكر.
