رام الله - غزة / متابعات : لجأت حركتا فتح وحماس، إلى الفتاوى الدينية، في صراعهما الدنيوي، وتستخدم الحركتان رجال الدين التابعين لكل منهما من اجل تبرير قراراتهما السياسية. وخلال الأسابيع الماضية، لجأت حركة فتح، إلى إقامة الصلوات كل جمعة في الميادين العامة بقطاع غزة، كشكل احتجاجي على سيطرة حماس على القطاع، ويعقب الصلوات تظاهرات ضد السلطة الحمساوية. ويرافق الاحتجاجات الفتحاوية كل جمعة، موجة مفتوحة من قبل التلفزيون الفلسطيني الرسمي، الذي يبث من رام الله، يستقبل خلالها مكالمات منددة بحماس وبمنعها للصلاة وتصديها للمصلين، في حين يلجأ تلفزيون الأقصى التابع لحماس ويبث من غزة إلى إظهار ما يعتبرها افتراءات فتح والتلفزيون الرسمي على حماس، مؤكدا ان الذين جاؤوا إلى الميادين العامة، حضروا لأسباب أخرى غير الصلاة.ولم تخف حركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أنها تريد من الصلوات أن تتحول إلى بداية حركة احتجاج كبيرة تتطور لتعصف بسيطرة حماس على غزة، ووجهت نداءات لأهالي القطاع بالنزول إلى الميادين العامة يوم الجمعة المقبل، وشكلت قيادة لهم مكونة من ممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.وإزاء الحرج الذي يواجه حماس، وهي حركة إسلامية، في تصديها للمصلين، أصدرت رابطة علماء فلسطين ومقرها غزة فتوى يستشف منها انه يمكن حظر الصلاة في الميادين العامة، وهو ما أعلنته حركة حماس فعلا. وبدا الأمر بالنسبة لرابطة علماء فلسطين، وكأنها ترد على سؤال وردها نصه: ما حكم أداء صلاة الجمعة في العراء مع وجود المساجد المجاورة وما يترتب على هذه الصلاة من تخريب وانتهاك للحرمات والتجمعات المسيسة وما يصدر عن المجتمعين من سباب وشتائم وممارسة تخالف الدين؟وأجابت دائرة الإفتاء في الرابطة بعدة نقاط "أولاً: إن صلاة الجمعة في العراء مع وجود المساجد جائز شرعاً على الرأي الراجح إذا قصد منها أمر فيه خير للمسلمين وخدمة لدين الله تعالي، والغاية منها مرضاة الله سبحانه وتعالي، ثانياً: الأصل في كل الأعمال هو النية كما قال المصطفي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " فإذا كانت النية لغرض تخريبي أو غاية سياسية فيها مخالفة شرعية فإن كل من يشارك في هذه الصلاة يكون آثماً شرعا".وفي إيرادها للسبب الثالث لتبرير فتواها، وجدت الرابطة نفسها وهي تتحدث عن الصلاة التي يقيمها اتباع فتح في الميادين العامة، حيث قالت "هناك ضوابط شرعية يجب أن يلتزم بها المصلي منذ صعود الخطيب المنبر على أن يعود على بيته منها عدم الكلام أثناء الخطبة وعدم إتيان أي فعل فيه مخالفة شرعية ولكن الملاحظ أن هناك من كان يدخن أثناء الخطبة وهناك من كان يضع سلسلة ذهبية وهناك من كان يبيع بعض المشروبات وهذا يتنافى تماماً مع حرمة الجمعة وقدسيتها مما يدل دلالة قاطعة على أن الغرض ليس هو الصلاة ولا العبادة وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ومن لغا فلا جمعة له".أما السبب الرابع فأوردته الرابطة كما يلي "يقول المولى سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) فالسعي للجمعة يجب أن يكون خالصاً لذكر الله وليس بأي غرض دنيوي فضلاً عن أن يكون تخريباً مفسداً فإذا كان كذلك فإن مقيم هذه الصلاة بدلاً من أن يحصل على الأجر سيمنى بالإثم الكبير".وقالت الرابطة "يقول الله سبحانه: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) والذي يمارسه هؤلاء المصلون هو الانتشار بعد الصلاة للإفساد والسباب والشتائم والتخريب والاعتداء على الممتلكات مما يجعل أدائهم للصلاة هو بغرض التجمع التخريبي وليس بغرض العبادة وهذا فيه أثم كبير".ورأت ان "إن اعتماد الساحات العامة وهجران المساجد فيه محاربة لبيوت الله ونزع لهيبة المسجد وقدسيته والغاية من وجوده مع الإصرار على الاستمرار في ذلك ولهذا فإننا نقول إن هذه الصلاة صلاة خطيرة ولا يجوز لأحد أن يشارك فيها لا في غزة ولا في الضفة الغربية تحت أي ستار كان".وأفصحت الرابطة عن موقفها السياسي من الصلوات التي يقيمها اتباع حركة فتح بالقول "لهذه الأسباب كلها ولما ثبت بهذه الأدلة ولما هو معلوم عن الكثيرين مما يشاركون في هذه الصلاة أنهم ليسوا من أهل الصلاة وإنما جاءوا للتخريب والعبث وإثارة الفتن والقلاقل وترويع الآمنين وعودة الفلتان فإنه من الواجب على ولي الأمر أن يمنع هذه الصلاة وأن يجعلها في المساجد ودليل ذلك ما فعلة النبي صلى الله عليه وسلم من إحراق مسجد ضرار بعد هدمه وتحريم الصلاة فيه، وهذه الصلاة هي شبيهه تماماً بتلك التي فعلها المنافقون".وختمت الرابطة فتواها بتسويغ استخدام القوة من قبل حماس لتفريق المصلين "وعليه فإن إقامة الصلاة في هذه الأماكن هي صلاة الضرار وتفريقها واجب شرعي والمساجد هي أماكن العبادة التي يجب أن تقام فيها الصلاة كلها". واستندت حكومة حماس إلى هذه الفتوى لإصدار قرارها بمنع إقامة الصلوات في الميادين العامة، وأعلنت نيتها تطبيق ذلك يوم الجمعة المقبل، الذي سيشهد اختبارا للقوة والإرادات بين حركتي حماس وفتح.وما أن صدرت الفتوى الدينية، ثم القرار السياسي بمنع الصلاة، حتى تحركت فتح للرد، وبنفس طريقة حماس، ولم تجد افضل من الشيخ تيسير بيوض التميمي، قاضي القضاة في السلطة الفلسطينية، ليرد على حماس وشيوخها. وتم الاتصال بالتميمي الموجود الان في العاصمة الأردنية عمان، حيث يرأس وفد فلسطين في مؤتمر القضاء الشرعي الدولي الأول، ليرد على الفتوى الحمساوية، فاستجاب التميمي فورا، واعلن جواز الصلاة خارج المساجد في العراء والساحات العامة، وقال بان رابطة علماء فلسطين ليست الجهة المخولة بإصدار الفتاوى، التي من اختصاص المحاكم الشرعية أو دار الفتوى، وهي فقط الجهة الرسمية التي تتولى إصدار الفتاوى والمخولة بها. واضاف "إن هذه الفتوى بحظر الصلاة في العراء، صدرت عمن لا يحق له أن يتصدى للإفتاء، لأن هناك جهات رسمية حددتها المادة (101) من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تنص على اختصاص المحاكم الشرعية بالأمور والمسائل الشرعية".وقال التميمي بان "الفتوى بعدم جواز صلاة الجمعة في العراء، لا تستند إلى أي نص أو دليل شرعي، ولقد نصت السنة النبوية القولية والفعلية، على جواز الصلاة في أي مكان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ". وذكر التميمي، بان الرسول عليه الصلاة والسلام، يؤدي صلاة العيدين والاستسقاء والجنازة خارج المسجد النبوي في مصلى المدينة المنورة الواقع في العراء عند بابها الشرقوقال "نحن في مقاومتنا للاحتلال كنا نقيم صلوات الجمعة والجماعة على الأراضي المهددة بالمصادرة، أو التي يقام عليها جدار الفصل العنصري، وعندما نمنع من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي الشريف، فإننا نؤدي الصلاة على الحواجز العسكرية، للتأكيد على تمسكنا بثوابتنا وبأرضنا ومقدساتنا". وقد لا يهتم كثيرون بالمسوغات الفقهية التي أوردها كل طرف لتحليل أو تحريم الصلاة في العراء، لان المسالة ليست دينية، وانما سياسية، بين طرفين، يحشدان كل قوتهما المادية والمعنوية، واخيرا شيوخهما، للزج بها في معركة كسر العظم التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني وقضيته.