نبض القلم
إن احترام الكبير والأرفع منزلة من سمات الناس الأخيار الذين تنبض قلوبهم بالرحمة والرأفة لمن يكبرهم سناً أو يعلوهم منزلة ، وتفيض مشاعرهم بالاحترام والتقدير لذوي الفضل عليهم ومن قدموا خدمات جليلة للمجتمع ، فهم ينزلونهم منازلهم، ويعرفون حقهم فيحسنون معاملتهم ، وذلك امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “ أنزلوا الناس منازلهم” “ رواه أبو داؤد والحاكم”.ولقد كان الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزلون الناس منازلهم ، فأرسوا بذلك قاعدة أخلاقية سامية يراعى فيها المراتب ، عملاً بالحديث الشريف القائل : “ ما أكرم شاب شيخاً إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه” رواه الترمذي”. فهذا الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كان يعتلي المنبر للخطابة في المنبر الذي كان يعتليه سلفه أبوبكر الصديق إلا أنه كان ينزل درجة من درجات المنبر ، لأنه كان يرى أن أبابكر أحق منه بالعلو والرفعة حتى بعد وفاته .وكان الخليفتان الراشدان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي لله عنهما إذا لقيا العباس وهما راكبان نزلا إعظاماً واحتراماً له، فاحترام الكبير وتوقيره يدل على رجاحة العقل، ودماثة خلق صاحبه وإنزال الناس منازلهم ، ويدل على اعتراف الناس بمكانة ذوي الفضل عليهم ، فهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول : “زن الرجال بموازينهم” وهذا عبد الملك بن مروان يقول: “ أربعة لا يستحى من خدمتهم “ الإمام ، والعالم ، والوالد والضيف”.وكان الناس الأخيار فيما مضى من الزمن ينزلون الناس منازلهم ، ويحترمون ذوي الفضل عليهم، فتروي كتب التاريخ أن الناس عندما حضروا لتعزية العالم الجليل سفيان الثوري بوفاة أخيه ، كان من بين الحاضرين للتعزية الإمام الفاضل أبو حنيفة فقام إليه سفيان الثوري وأجلسه مكانه ، وجلس بين يديه ولما أنفض المجلس قال أصحاب سفيان له: رأيناك فعلت شيئاً عجيباً مع هذا الرجل، فقال : هذا رجل من العلم بمكان ، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه ، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه ، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه.إن احترام الكبير وتوقيره يدل على رجاحة العقل ، وعلى قوة تماسك المجتمع ، فإذا ما وقر الناس كبارهم واحترموا ذوي الفضل عليهم حلت بهم البركة ، وعمتهم المحبة ـ وفي الحديث الشريف : “ إن البركة مع أكابركم “ “ رواه الطبراني والحاكم”إن أولى الناس بالاحترام في المجتمع هم العلماء وكبار السن ، فهذا الإمام أبو حنيفة يوصي تلميذه يوسف السمتي عند سفره إلى البصرة قائلاً: إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقك فأنزل كل رجل منزله ، وأكرم أهل الشرف ، وعظّم أهل العلم، ووقر الشيوخ ، ولا تحقر أحداً ولا تقصرن في مروءتك”.وفي قصة أبي قحافة والد أبي بكر يوم فتح مكة خير دليل على ما ذكرنا، فقد كان أبو قحافة رجلاً عجوزاً لا يقوى على السير ، ولكنه لما علم بمجيء الرسول إلى مكة قام من مجلسه وخرج من بيته وذهب لملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه الرسول وقد تقدم به السن ، قال: لو أعلمتموني به لذهبت إليه أنا ولم نكلفه المجيء إلينا . قال رسول الله ذلك احتراماً وتوقيراً لأبي قحافة العجوز.وبعد ، ليت وزير المالية الدكتور نعمان الصهيبي قد راعى شيخوخة بعض كبار السن من أساتذة جامعة عدن الذين وجدوا أنفسهم محشورين في طوابير طويلة ليلة عيد الأضحى في ساحة فرع البنك المركزي بعدن، وبيد كل واحد منهم شيك بمستحقاته من جراء إشرافه أو منا قشته لرسالة ما جستير أو دكتوراه لبعض طلاب الجامعة ، ليته يعلم أن تلك المستحقات مضى عليها أكثر من عامين في أضابير وزارة المالية ومرافقها ، ولم يفرج عنها إلا قبل العيد بيومين ، وبشيكات يزيد عددها على ثلاثمائة شيك ، في حين كانت تصرف بشيك واحد عبر محاسب الجامعة.ما الحكمة يا ترى في إجبار أساتذة الجامعة على الوقوف في طوابير طويلة لصرف شيك ،لا يغني ولا يسمن من جوع أما كان الأفضل والأجدى أن يتم صرف المستحقات عبر محاسب الجامعة، كما جرت العادة؟، ما الحكمة من إذلال أساتذة الجامعة أمام نافذة واحدة من نوافذ صرف العملات؟ أما كان جديراً إعطاء كل ذي حق حقه في وقته من دون تسويف أو مماطلة، امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه”، فإذا كان هذا الأمر بشأن حق الأجير البسيط الذي يعمل بجهده العضلي فكيف الحال بشأن العالم الجليل الذي يعطي عصارة فكره وخلاصة تجربته، أليس جديراً بإنزاله المنزلة اللائقة به، امتثالاً لقول الرسول الكريم : “أنزلوا الناس منازلهم”.[c1]*خطيب جامع الهاشمي الشيخ عثمان[/c]
