[c1]كتب/ المحرر السياسي[/c]تشهد البلاد نشاطاً محموماً لقوى سياسية مختلفة ، يجمعها هدف واحد هو زعزعة الأمن والاستقرار وتأزيم الحياة السياسية والاقتصادية كمقدمة ضرورية لإضعاف النظام السياسي والاستيلاء على السلطة بمختلف الوسائل، وبأي ثمن . ومما له دلالة خطيرة ان تلتقي هذه القوى بمشاريعها السياسية المتناقضة والمتناحرة تحت مظلة واحدة وغير مقدسة ، بعد ان تحكم بها الطموح المسعور للاستيلاء على السلطة والثروة حتى ولو كان الثمن هو تمزيق الوطن وتحويل البلاد بأسرها الى ساحة غارقة بالدماء والحرائق .في هذا السياق تدل القراءة الفاحصة لمخرجات خيار اللجوء الى اللعبة العمياء للحراك السياسي في الشوارع على أنّ ثمة لاعبين ( من الداخل والخارج ) وجدوا في هذا الخيار فرصة نادرة لإحياء مشاريع طائفية ومذهبية ميتة ، أوتمرير أجندات ارهابية ومخططات تآمرية وأطماع اقليمية توسعية ، تحت شعارات مموهة أصبحت قاسما مشتركا بين قوى متناقضة الأهداف والمصالح والمرجعيات، يجمعها هاجس الوصول الى السلطة ، و تصفية حسابات تاريخية مع الوحدة اليمنية بما هي وليد شرعي للثورة اليمنية (26سبتمبرــ 14 اكتوبر) . اللافت للنظر ان المهمة المحورية للقوى السياسية التي راهنت على خيار الخروج إلى الشارع تتمثل في الانقلاب على الديمقراطية، و المتاجرة بالأزمة الاقتصادية وتداعيات التمرد المسلح في صعدة وآثار حرب 1994م بطريقة انتهازية وغير مبدئية، بهدف توظيفها ضمن أوراق سياسية أخرى لإضعاف الحزب الحاكم، وإرباك حكومته ومنعها عن تنفيذ البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية ، وصولا الى عرقلة وتوقيف عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية .ولئن كانت الحياة السياسية في البلاد تشهد تأزما لا يمكن إنكاره أو تجاهله ، فإن ذلك يعود الى أنّ ثمة قوى سياسية مأزومة درجت على تفريغ أزماتها الداخلية من خلال المتاجرة بما تسمى ((القضية الجنوبية)) ، و التسابق المحموم مع ما تسمى قيادة ((الحراك الجنوبي)) على الفوز بالشارع ، ناهيك عن أنّ ثمة أطرافاً يمنية وإقليمية في الخارج لم تخف صلاتها بهذه التحركات والمراهنات ، وهو ما نجد تفسيراً له في الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه القوى الاقليمية الطامعة بتوسيع نفوذها في البحر الاحمر وخليج عدن وطرق الملاحة الدولية ، بالاضافة الى القوى الانفصالية التي تدعو إلى تمزيق الوطن وطمس الهوية الوطنية الواحدة للشعب اليمني وتصفية تاريخ ثورة الرابع عشر من اكتوبر العظيمة . وتشير التحركات الأخيرة والمنسقة في المحافظات الجنوبية ومحافظة صعدة الى ان قوى التمرد المسلح في صعدة ، وقوى ما يسمى بالحراك الجنوبي وتنظيم ( القاعدة) الارهابي تريد ايصال رسائل الى أكثر من جهة ، بهدف تسويد صورة الوضع السياسي في اليمن ، والتشكيك بقدرة الدولة على ممارسة سيادتها على أراضيها وحفظ الأمن والاستقرار في ربوعها . من نافل القول إنّ مشروع اتحاد الجنوب العربي كان يستهدف نزع الهوية اليمنية عن الجنوب المحتل، وتلفيق هوية بديلة.. وقد بدأ هذا المشروع يلفظ أنفاسه الأخيرة بقيام ثورة 14 أكتوبر التي أنجزت الاستقلال الوطني للجنوب اليمني ، وأطلقت الرصاصة الأخيرة على مشروع (الجنوب العربي) بما هو نظام حكم أنجلو سلاطيني معادٍ للهوية الوطنية اليمنية، ثم أقامت على أنقاضه جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي أعادت الهوية اليمنية إلى جنوب الوطن بعد تحريره من الاستعمار في 30 نوفمبر 1967م، وصولاً إلى قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م، التي أعادت للوطن اليمني المشطور وجهه الشرعي الواحد.ومامن شك في أن تكتيك « اللجوء إلى الشارع » هو المسؤول الأول عن التداعيات والتحديات الخطيرة التي أصبحت لا تهدد فقط السلم الأهلي والوحدة الوطنية، بل إنها تمتد لتفتح الأبواب واسعة لدخول تيارات مختلفة من الداخل والخارج، وإحياء مشاريع ميتة دفنتها الحركة الوطنية اليمنية بنضالها وتضحياتها، وبالذات نضال وتضحيات أبناء الجنوب اليمني الذين تصدوا لمشروع «الجنوب العربي » عندما حاول الاستعمار البريطاني تمريره بهدف تطويق شعارات الاستقلال والوحدة اليمنية التي رفعتها الأحزاب والقوى السياسية الوطنية والنقابات العمالية ومنظمات الطلاب والشباب والنساء في منتصف الخمسينات، على إثر ظهور الطبقة العاملة اليمنية كقوة سياسية منظمة في نقابات، وانخراطها في العمل الوطني التحرري، حيث كان الهدف من هذا المشروع يتمحور حول سلب وطمس الهوية اليمنية للجنوب المحتل وتلفيق هوية بديلة ومزيفة بدلاً عنها.لا يختلف اثنان في أنّ فتنة 1994م والحرب التي رافقتها، ألحقت أضراراً بالحياة السياسية والوحدة الوطنية. لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن الرئيس علي عبدالله صالح أدرك ضرورة إزالة آثار تلك الحرب وإغلاق ملفاتها بواسطة العديد من القرارات والإجراءات والمبادرات والتوجهات التي استهدفت إزالة معظم الآثار الناجمة عن تلك الحرب ومعالجة ما تبقى منها . .بيد أنّ ثمة أطرافاً تحرص على أن يبقى ملف تلك الفتنة مفتوحا . ومن بينها تلك التي لعبت دوراً كبيراً في تأزيم الحياة السياسية خلال السنوات الأربع السابقة لتلك الحرب منذ قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م، مروراً بالأزمة الناجمة عن نتائج انتخابات 1993م، وانتهاء بحرب صيف 1994م، وإعلان مشروع الانفصال الذي يجري إحياؤه بأشكال وعناوين مختلفة ومموهة .وفي هذا السياق يشير تحليل مضمون التناولات السياسية والإعلامية لتنظيم القاعدة في اليمن من قبل بعض القنوات الفضائية الخارجية و صحافة بعض الاحزاب السياسية ومواقعها الإليكترونية، بالإضافة إلى بعض الصحف والمواقع الإليكترونية المستقلة التي تدور في فلك الخطاب السياسي والإعلامي لهذه الأحزاب، إلى أنّ ثمة ترابطا وثيقا بين هذه التناولات المحلية من جهة، وبين التناولات الإعلامية الخارجية للمخاطر التي يشكلها تنظيم ((القاعدة)) في اليمن على الأمن والسلم الدوليين من جهة أخرى ، حيث تراهن القوى السياسية المأزومة على استخدام ورقة تنظيم ( القاعدة ) ضمن أوراق سياسية وأمنية أخرى مثل تداعيات حرب صعدة، وآثار حرب 1994م، والفقر ومصاعب النمو والبطالة وتأثير الأزمة المالية العالمية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين ، وصولاً الى توظيف جميع هذه الأوراق من أجل تصفية حساباتها السياسية الضيقة مع النظام والحزب الحاكم وحكومته ، وتمهيد الطريق للاستيلاء على السلطة. وبالنظر إلى البعد الدولي لمخاطر تنظيم ((القاعدة)) في اليمن ، تسعى هذه القوى إلى اللعب بهذه الورقة بقصد عزل وإضعاف النظام وتأليب المجتمع الدولي ضده ، حيث يسعى الخطاب السياسي والاعلامي لهذه القوى المأزومة الى تضخيم الحديث عن نشاط تنظيم ((القاعدة)) في اليمن، بهدف الإيحاء بوجود قوي وشبه علني لهذا التنظيم الإرهابي ..ان كل الوطنيين والشرفاء في هذا البلد مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية التي تستلزم رص الصفوف وحشد كل الطاقات من اجل حماية وحدة اليمن واستقراره، ودرء مخاطر التحديات والمؤامرات الداخلية والخارجية التي من شأن التهاون إزاءها الإضرار بالمصالح العليا للوطن والشعب.وبوسعنا القول ان إدارة حوار وطني عام بين كافة القوى الفاعلة في الدولة والمجتمع المدني والحياة السياسية عموما هو المدخل الصحيح لبلورة رؤية وطنية لمواجهة كافة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي لا يمكن تجنب آثارها السلبية بدون حماية وتطوير العملية الديمقراطية وإثراء التعددية والتنوع في إطار الوحدة الوطنية ، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع على طريق توسيع قاعدة المشاركة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع ، الأمر الذي سيزيد من فرص دعم وتعزيز وحدة النسيج الوطني والوجدان الإنساني للمجتمع وحماية وتطوير الثقافة الوطنية باعتبارها إحدى مرتكزات وحدة الوطن أرضاً وإنساناً وتاريخاً.ان تعميق الشراكة الوطنية في معالجة القضايا الحيوية التي يتوقف عليها مصير البلاد يتطلب إعلاء قيم الحوار الوطني على قاعدة الالتزام بأهداف الثورة اليمنية وحماية وتطوير مكاسبها وفي مقدمتها النظام الجمهوري والوحدة والديمقراطية، ومكافحة الأفكار والمناهج التي تهدد بالعودة إلى عهود الاستبداد والتجزئة والتشطير ، بعيدا ً عن الاملاءات والابتزازات والشروط المسبقة والقائمة على الخلط بين الحرية والفوضى وما يرتبط بها من تشوّهات ومخاطر تهدد تطور العملية الديمقراطية وتلحق الضرر بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية .
دفاعا عن الوطن
أخبار متعلقة
