غضون
* منذ نحو عشرين سنة وإلى قبل أشهر من الآن كانت كل برامج الحكومة وبرامج المرشحين الصاعدين والساقطين تضع كل شيء في قائمة أولوياتها .. كل المسؤولين يتحدثون أن مهامهم هي تنفيذ ما هو ملح .. أولوياتنا ترسيخ دولة المؤسسات .. أولوياتنا هذا العام فرض سيادة القانون، ترسيخ الأمن والاستقرار، حل مشكلات الطفولة، تطوير التعليم، القضاء على البطالة والثأر، تعزيز سلطة القضاء، رعاية الأمومة، تطوير إمدادات الماء والكهرباء .. و.. و.. وكله أولويات، وبرنامج يتبع برنامجاً ووعد يلي وعداً، وإستراتيجية تنطح إستراتيجية .. وأخيراً تبين للسلطة التنفيذية أن كل ذلك آل إلى الخلف، وأن عليها أن ترمي البرامج والاستراتيجيات وكل الأولويات جانباً وتختار فقط عشر قضايا ذات أولوية أو ملحة لتعمل على تحقيقها خلال العامين القادمين .. وهذه العشر هي تكليف شركة عالمية تبحث لنا عن (100) موظف خبير وتوفير (100) ألف فرصة عمل لليمنيين في دول مجلس الخليج، وزيادة اكتشافات النفط والغاز. وتوليد الكهرباء، وحل مشاكل الأراضي، وخلق (5000) فرصة عمل في عدن، وفرض هيبة الدولة وحل قضايا المياه، وتحسين صورة اليمن في الخارج !! هذه هي العشر الأولويات باختصار.* وعلى الرغم من أن طموح السلطة التنفيذية تواضع ولم يعد مستوعباً سوى لعشر أولويات في سلم اهتماماتها وأولوياتها خلال العامين القادمين، فإن السلطة التنفيذية لو كانت جادة في ذلك، وجاهزة للتحديات العشر، فسوف تشكر وتحمد، وإذا هي نجحت حتى في تحقيق نصف كل واحدة من العشر خلال الفترة المحددة، وهي عامان .. ونخشى على هذه العشر من عدم الجدية وتوافر الإرادة الحقيقية، خاصة وأننا نلاحظ أنه إلى الآن لا يزال قانون “يتبع ما قبله” هو الفعال وساري المفعول .. نريد من الحكومة أن تكون فاعلة وصاحبة قرار بينما يدها مغلولة إلى عنقها .. نريد شركة أجنبية “تدور” لنا مائة خبير، بينما نطرد ونفسد في اليوم مائة مخ، ونريد أن تستوعب دول الخليج مائة ألف عامل يمني، بينما لم نعد هذا العدد للعمل المطلوب، وفي الوقت نفسه هناك تلميحات من مسؤولين في هذه الدول عن ابتعاد اليمن يوماً بعد يوم عن نادي دول الخليج .. نريد فرض هيبة الدولة بينما تصدر كل يوم قرارات تعيين تشير إلى أن الدولة شركة تجارية محدودة.* وعندي أن الحكومة أو السلطة التنفيذية تستطيع تحقيق العشر الأولويات وفوقها عشرون أخرى خلال السنوات القادمة إذا قدرت واعترفت بأولوية واحدة، وهي أب وأم كل الأولويات والأخرويات .. وهذه الأولوية هي أن نقيم دولة قانون .. دولة يكون فيها القرار لمؤسساتها وهيئاتها الدستورية وليس لأفراد ووجاهات ورغائب ومزاجات .. دولة المواطنة المتساوية والفرص المتكافئة .. دولة تندمج فيها القبيلة في الدولة وليس العكس .. دولة يشار فيها إلى كل إنسان وأي إنسان بوصفه “مواطناً” وليس بوصفه “قبيلياً” أو ابن فلان !! ومن الضروري أن يرتبط العمل لهذه الأولوية بمكافحة الفساد والتخلي عن الثقافة القبلية التي توجه السياسات والقرارات التي ثبت لنا أنها خلقت مشاكل جديدة أكثر مما أوجدت من حلول لمشاكل قائمة وقديمة.
