نبض القلم
هناك فريق من الناس سمت بهم القيم، ورفعت من أقدارهم، وباعدت بينهم وبين المناكر والمآثم ، فصاروا أشعة في الظلام. في حين أن هناك ناساً آخرين أضلت الشقوة سعيهم، وأفقدتهم وعيهم، فصاروا كالأنعام. معروف أن الأنعام ترتع لتشبع، غايتها أن يكون جوفها مملؤاً بالطعام، ولايهمها من أي مكان يأيتها طعامها، ولا بأي سبيل تحصل عليه، فتحصل على طعامها من دون أي تفكير، فليس لها فكر ولا عقيدة ولا دين، وإنما هي قطعان سائرة بلا غاية أو هدف. فهي لذلك لاتبالي أن تنام في المكان الوسخ أو الموضع القذر، ولا ترى عيباً إن علق بها الروث، أو فاحت منها رائحة نتنة، وكذلك بعض الناس نراهم يلوثون أنفسهم بالمال الحرام ولا يتحرون أن يكون رزقهم حلالاً طيباً، ولا يتحرجون في أن يؤكلوا أطفالهم طعاماً ملوثاً، فهم لم يراعوا الطرائق المشروعة في كسب العيش ، ولا الوسائل الصحيحة في تصريفه، فلم يكتفوا بما يحصلون عليه من دخول مشروعة، بل يلجؤون إلى أخذ مال الغير بالباطل ، فهم كالأنعام التي لا تكتفي بمرعاها، بل تحوم حول الحمى فتنال بعض الأعلاف التي ربما لم تجدها في مرعاها، فهي لا تدري بما يجره لها ذلك من وخيم العواقب. ومن عجيب الشبه هنا بين الأنعام وبعض الدواب من الناس أن الأنعام قد تنفر من القطيع، فيحاول راعيها إعادتها إلى صفوفه، ولكنها تتأبى عليه وتنفر منه للحظات، ولكنها في الأخير نعود لتنضم إلى مجموع القطيع، دون أن تحدث أي شق في جماعتها، ولكن بعض الناس ممن يسمون المعارضة في الخارج لم يكتفوا بأنهم نفروا من القطيع فحسب، بل نراهم يعمدون إلى شق صف الوحدة الوطنية ، وزرع بذور الفتنة في مجتمعها. والكبش في مجتمع الأنعام قد يفجر، ويسطو على النعجة ويعاشرها ويواقعها على مرأى من الأنعام والناس ، لأن ذلك ليس عيباً في قوانين الحيوانات، وكذلك بعض الناس فإنهم يفجرون بالعلن ، ويتباهون بفجورهم، ويتحججون بذلك في وسائل الإعلام، فيكشفون المستور من عوراتهم، ويعلنون أسرار بلدانهم، ولا يرون في ذلك أي عيب، في حين أن ذلك محرم في قوانين البشر. ومن العجيب أن الكباش في مجتمع الأنعام يأيتها صاحبها فيرقدها على الأرض، ويجز منها شعرها، ليبيعه في السوق، ويوهمها أن ذلك تخفيف عنها ورحمة بها ، وهي لا تدري أنه يمتص دماءها ويستلب خيراتها لمصلحته، ويسخرها لمنفعته، وهي لا حول لها ولا قوة وكذلك بعض الدواب من الناس ممن تهون عليهم نفوسهم، فهم يسامون الخسف فلا يغضبون، وتهان كرامتهم فلا يثورون، وتسلب حرياتهم فيستسلمون، وإذا أصابهم البغي لا ينتصرون، فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل.والحراك في مجتمع الأنعام يكفي أن يتقدم القطيع إحداها فتسير معه بقية القطيع من دون معرفة وجهة السير هل إلى المرعى أم إلى المجزرة، وكذلك بعض الدواب من الناس فيكفي لتحريكهم أن يتقدم أحدهم الصفوف ، رافعاً صوته لتحريضهم وسرعان ما يسير الناس خلفه، من دون معرفة المسار الذي يقودهم إليه، وربما يدركون مؤخراً أنهم كانوا يسيرون في الطريق الخطأ ، وكمثال على ذلك ما رأيناه بعد مباراة الجزائر ومصر التي جرت في الخرطوم، فقد سارت الجماهير الكروية في البلدين خلف الأصوات المتشنجة التي ارتفعت في أجهزة الإعلام في البلدين وربما أدركت الجماهير بعد فوات الأوان أنها سارت في الطريق الخطأ وأنه ما كان ينبغي لها أن تحاكي الأنعام في سيرها، بل عليها أن تفكر مليئاً قبل أن تخطو أية خطوة في الطريق الخطأ، وهكذا شأن كل الذين يتحركون أو يسيرون وراء كل زاعق وناعق، من غير تدبر، فإنهم كالأنعام، بل هم أضل. [c1]* خطيب جامع الهاشمي الشيخ عثمان[/c]
