غضون
* إلى متى سنستمر في الشكوى من الأحكام المتعلقة بمعاقبة صحفيين وصحف وكتاب بعد إدانتهم بارتكاب جرائم نشر، ونصف الأحكام بأنها سياسية وجائرة وبمثابة إعدام وقمع للحريات؟ المشكلة ليست في القاضي أو المحكمة، بل في القانون.. فالقاضي لا يفعل شيئاً أكثر من تطبيق نصوص القانون، وأولى بالأسرة الصحفية في اليمن أن تسعى لتغيير القانون إذا كان جائراً أو تسعى لإزالة أو تعديل المواد القانونية التي ترتب عقوبات كبيرة على جرائم صغيرة أو تجرم سلوكاً لا يعد جريمة، وإلغاء نصوص قانون الصحافة التي تخول القاضي تطبيق عقوبات منصوص عليها في قوانين أخرى غير قانون الصحافة. وبدلاً من هذه الشكوى وهذا الصراخ والطعن في ذمة القاضي وترديد المزاعم حول عدم دستورية وشرعية محكمة الصحافة، يتعين على الأسرة الصحفية وعلى نقابة الصحفيين في المقدمة أن تعمل على تحريك مشروع القانون الجديد للصحافة والنقابة، الذي جمد منذ ثلاث سنوات.* مشروع القانون كان قد طرح للنقاش واستعرضه مجلس الشورى قبل عامين أو ثلاثة تقريباً وكان يتعين على النقابة أن تبقي القضية حية، ولو فعلت لكان مشروع القانون الآن على الأقل في جدول أعمال مجلس النواب.أن يقال إن مشروع القانون الجديد يتضمن نصوصاً أسوأ من نصوص القانون المعمول به حالياً، فذلك لا يعني اعتباره شيئاً لسنا معنيين به، بل يجب أن يطرح للنقاش العام داخل الأسرة الصحفية ويناقش مع الحكومة ومع مجلس الشورى، فلا يحال إلى مجلس النواب إلا بعد أن يقيم وتستقيم نصوصه مع المبادئ الدستورية ومبادئ المواثيق الدولية التي صدقت عليها بلادنا وهي ملزمة فيما يتعلق بالحريات الصحفية وحرية الرأي والتعبير، ولا يجوز وضع وإقرار أي قانون أو نص قانوني يتعارض مع تلك المبادئ.. وأن يضمن مشروع القانون الجديد أيضاً إلغاء عقوبة الحبس لأن الحبس للقتلة وقطاع الطرق واللصوص وليس للصحفي.. وأن تلغى عقوبة المنع من الكتابة لأنها عقوبة غير منطقية أصلاً، فالكاتب أو الصحفي يعتمد في كسب عيشه على الكتابة، وعندما يعاقب بمنعه من الكتابة أبداً أو سنة أو حتى شهراً فذلك يعني حرمانه من الكسب.. فماذا بعد أن تمنعني من مهنتي؟ هل يستقيم أن تعاقب طبيباً أو مهندساً أو حتى حمالاً بمنعه من مزاولة مهنته؟* بقي أن نشير إلى أن العدالة تقتضي الاعتراف بأن بعض الصحفيين والكتاب هم جزء من هذه المشكلة.. يخونون المهنة ويسيئون استخدام سلطة الصحافة فينشرون ما يمس حقوق وكرامة الآخرين، ويكتبون وينشرون أخباراً ومقالات بقصد الإضرار بالآخرين، وعندما يرفع المتضرر منهم دعوى ضدهم أمام القضاء يلجؤون للصراخ فإذا حكمت ضدهم محكمة قالوا هذا حكم سياسي.. هذا قمع للحريات.. هذا ظلم، أما إذا حكمت لهم فيقولون عاشت العدالة والنزاهة.. وكأن المطلوب من المحكمة أن تحصر مهمتها في الحكم لصالح الصحفي أو الكاتب فقط.. وهذا منطق ظالم لأنهم لا يحبون العدالة لضحاياهم.
