اطلعت مصادفة على حوار رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني في صحيفة “عكاظ” بتاريخ الأول من أغسطس ٢٠٢٦، حيث بدا شخصية سياسية استثنائية تجمع بين الحس الإنساني العميق والحنكة السياسية النادرة، مما دفعني إلى كتابة هذه القراءة محاولا استجلاء أبعاد شخصية الرجل كما تجلت في كلماته ورؤية اليمن من خلال منظوره.
في الحوارات السياسية قلما نصادف شخصية تمتلك ذلك المزيج النادر بين الحس الإنساني المرهف والحنكة السياسية المتقدة، بين القرب من تفاصيل معاناة الناس والوعي العميق بمنطق الدولة واستراتيجياتها، وهذا ما يجلوه حوار الزنداني الذي بدا وكأنه لا يتحدث للصحفي الجعفري بل يهمس في آذان اليمنيين عن همومهم، وكأنهم يسكنون وجدانه منذ نشأته، وكأنه عاش سنوات عمره الطويلة بين طيات معاناتهم اليومية يستنشق تفاصيل آلامهم ويلمس جراحهم التي أحدثتها مليشيا الحوثي في الصميم.
ما يميز الزنداني أنه لم يكن مجرد وزير خارجية سابق يتحدث بلغة الدبلوماسية، بل كان رجل دولة يتشكل في لحظة تاريخية جاهزا لشغل موقع رئيس الوزراء، وكأنه كان طبيب طوارئ مستعدا طوال عمره لأي مهمة وطنية.
فخطابه الأكاديمي الرصين وحسه المدني النضالي وقدرته على مخاطبة الخصم بلغة الحقائق والمنطق القوي، تجعله يبدو الأقدر على لملمة الحطام، فمنذ البداية وكأن مسيرته السياسية والأكاديمية كانت تدريبه الطبيعي لهذه المحطة المفصلية.
هنا نلحظ الفارق بينه وبين كثير من المسؤولين السابقين، لم يقع في فخ الانفصام عن الواقع، أقصد الانفصام الذي يجعل أغلب المسؤولين يعيشون في عزلة عن الشارع، بينما الزنداني ظهر وكأنه يتحدث باسم الشارع اليمني بكل تجلياته، وباسم القيادي الحصيف في آن واحد.
لقد أثبت الزنداني في حواره مع “عكاظ” بأنه حركة لا تتوقف، وشعلة لا تنطفئ، تضيء في كل الاتجاهات.
الزنداني الإنسان الودود، والأكاديمي الرصين، والمناضل المدني، ورجل السياسة، والمثقف المسؤول، والمفكر المحلل، وكأنه حزب بذاته، ربما تجاوز عدد محبيه من مناصريه وحتى المختلفين معه ما تضمه معظم الأحزاب والمكونات من أعضاء وأنصار. إنه قوة من قوى الطبيعة التي منحته روح المودة والطاقة التي لا تنفد والتوهج الفكري والعزيمة القوية والمثابرة وسحر المنطق. فهو يمتلك عبقرية في التواصل والتعبير لا تستثني من سحرها المؤيدين والمشككين.
في حديثه عن المملكة العربية السعودية دوما تجده يحفظ لها الجميل، وينطلق من مشتركات، ويقول ما يخدم البلدين. فحين قال إن أي اعتداء على السعودية هو اعتداء على اليمن، كان يضع العلاقة في إطار استراتيجي عميق يعكس وعيا بأن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن اليمن واستقراره.
والمثير للدهشة أن حوارا بهذه القيمة لم يحظَ بالانتشار الذي يستحقه، وكأن وسائل الإعلام وبعض الأطراف تغاضت عن نقله، ربما لأن الحوار جاء صريحا جدا، أو لأن شخصية الزنداني تجاوزت في حضورها ما اعتاد عليه المشهد السياسي اليمني من خطابات تقليدية.
في النهاية، يظل حوار الزنداني شهادة حية على أن اليمن يمتلك كفاءات سياسية مؤهلة، قادرة على تمثيل قضاياه بأسلوب يليق بحجم التحديات، وأن قادة المستقبل هم من يعرفون كيف يكونون في المكان المناسب، في الوقت المناسب، وبالخطاب المناسب.
