أبناء عدن ليسوا سؤالًا عن الأصل وحده، ولا اختبارًا للهوية، ولا بابًا للفرز بين الناس. أبناء عدن هم كل من حمل عدن في وجدانه، واحترم تاريخها، وعاش فيها أو لها بصدق، وأسهم في أمنها واستقرارها وصون كرامة أهلها، ولم يجعل منها ساحةً للفتنة، أو منبرًا للإقصاء، أو غنيمةً للصراع.
عدن لم تكن يومًا مدينةً مغلقةً على نسبٍ واحد، أو جهةٍ واحدة، أو ذاكرةٍ واحدة. عدن، بطبيعتها وتاريخها وموقعها، مدينة ميناء؛ ومدن الموانئ لا تكبر بالانغلاق، بل بالانفتاح المنضبط، والتعايش، والقدرة على تحويل التنوع إلى قوة. مرّ بها الناس من جهاتٍ شتى، وجاء إليها العربي والأفريقي والآسيوي، وسكنت فيها أسرٌ وعائلاتٌ جيلًا بعد جيل، حتى صار الانتماء إلى عدن معنى يتجاوز لحظة القدوم، ويرتبط بالعيش والمشاركة والوفاء والمسؤولية.
ابن عدن ليس من يرفع صكًّا ضد غيره، ولا من يستخدم المدينة ذريعةً لإقصاء ساكنيها أو تقسيم مجتمعها. ابن عدن هو من يحمي سلمها الأهلي، ويحترم ناسها، ويحافظ على ذاكرتها، ويؤمن بأن كرامة المدينة لا تُصان بالتمييز، بل بالعدل؛ ولا تُحمى بالاستعلاء، بل بسيادة القانون؛ ولا تُبنى بالعصبيات الضيقة، بل بالمواطنة المتساوية.
إن تحويل سؤال: “من هم أبناء عدن؟” إلى أداة خصومة، هو ظلمٌ لعدن قبل أن يكون ظلمًا للناس. فعدن أكبر من أن تُختزل في بطاقة، وأعمق من أن تُحاصر في لهجة، وأسمى من أن تتحول إلى ساحة فرزٍ بين قديمٍ وجديد، أو وافدٍ ومقيم. المدن الحية لا تسأل الناس من أين جاؤوا فقط، بل تسألهم: ماذا قدموا؟ كيف عاشوا؟ هل احترموا القانون؟ هل حافظوا على السلم؟ هل أضافوا إلى المدينة أم أخذوا منها فقط؟
نعم، لعدن أهلها وذاكرتها وخصوصيتها، وهذه الخصوصية يجب أن تُحترم ولا تُمحى. لكن احترام خصوصية عدن لا يعني إغلاق أبوابها، ولا تحويل الانتماء إليها إلى سلاحٍ اجتماعي أو سياسي. فالخصوصية الحقيقية لعدن أنها مدينة مدنية، بحرية، منفتحة، قابلة للتعدد، رافضة للتعصب، وقادرة على احتضان من يحترمها، دون أن تسمح لأحد بابتلاعها أو العبث بها.
والجواب الأعدل والأبقى أن أبناء عدن هم أهلها المتجذرون، وسكانها، ومن استقروا فيها، وأحبّوها، وخدموها، واحترموا مجتمعها وقانونها؛ وكل من جعل انتماءه إليها التزامًا لا ادعاءً، ومسؤوليةً لا شعارًا، ومواطنةً لا عصبية.
أما من يستغل اسم عدن لإثارة الكراهية، أو تقسيم الناس، أو إشعال الحساسيات بين مكونات المجتمع، أو بين القديم والجديد، فهو لا يخدم عدن مهما ادّعى محبتها. فمحبة عدن لا تكون بإغلاقها في وجه الناس، بل بحمايتها من الفوضى، ومنع تحويل تنوعها إلى فتنة، وصون حق أبنائها وسكانها جميعًا في العيش الآمن الكريم تحت سلطة القانون.
عدن لا تحتاج إلى سؤال يمزقها، بل إلى جواب يوحدها:
كل من احترم عدن، وسكنها بسلام، وخدمها بإخلاص، وحافظ على أمنها وكرامة ناسها، فهو من نسيجها الإنساني والمدني. وكل من أراد أن يجعلها منصةً للكراهية أو التمييز أو الصراع، فقد خاصم روح عدن وإن رفع اسمها.
عدن ليست ضد أحد، لكنها أيضًا ليست مباحة لأحد.
عدن مدينة للجميع بالقانون، ولأهلها بالوفاء، وللمستقبل بالعدل والمواطنة والشراكة.
*نائب وزير الصناعة والتجارة
