غير أن السؤال الذي يَفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: إلى أي مدى تستطيع هذه العلاوات والتسويات، والزيادات، بصورتها الحالية، أن تُعيد التوازن المفقود بين دخل الموظف ومتطلبات عيش أسرته وبالحد الأدنى، في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع وتآكل القوة الشرائية للراتب؟ وخاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدتها البلاد وما صاحبها من انهيارٍ غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وما رافقه من ارتفاع متواصل في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والوقود والخدمات، حتى أصبح الراتب الشهري يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الحقيقية قبل أن يصل إلى يد الموظف.
ومن هنا، فإن العلاوات السنوية والتسويات الوظيفية، رغم أهميتها ووجوب تنفيذها، لم تعد وحدها قادرة على تعويض الفجوة الواسعة بين الدخل وتكاليف المعيشة، إذ تتحول الزيادة الرقمية في الراتب إلى أثرٍ محدود سرعان ما يلتهمه التضخم المتصاعد، ما لم تُصاحبها إصلاحات اقتصادية ومالية شاملة تُعيد للأجور قيمتها الحقيقية. فتحقيق الغاية المنشودة للموظف من خلال منحه العلاوات السنوية والتسويات الوظيفية كونها استحقاق إداري يكفل له تحسين وضعه الوظيفي مالياً وإدارياً وفقاً للقوانين المنظمة لذلك، إلا أن الأمر يتطلب أيضاً ربط منظومة الأجور والعلاوات بمؤشرات التضخم وتكاليف المعيشة، بحيث يصبح الراتب قادراً على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للأسرة، لا أن يبقى مجرد رقم يتآكل مع كل موجة ارتفاع للأسعار.
كما أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى الجهود التي يقودها وزير الخدمة المدنية والتأمينات الأستاذ سالم ثابت العولقي، والتي تعكس اهتماماً واضحاً بمعالجة قضايا الموظفين واستحقاقاتهم، بعيداً عن المجاملة أو الإطراء الشخصي، فالأعمال هي التي تمنح أصحابها مكانتهم، والإنجاز هو خير شاهد على مسؤولي ورجالات الدولة كأمثال معالي الوزير سالم العولقي. غير أن نجاح هذه الجهود لن يكتمل إلا بتكامل أدوار جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، لأن الإصلاح الاقتصادي الشامل ليس مسؤولية وزارة بعينها، أو وزير بعينه، بل هو مشروع دولة تتقاسم أعباءه جميع الوزرات والسلطات والوزراء، كلٌ في نطاق اختصاصه ومهامه، وبعيداً عن البهرجة الإعلامية، والتلميع الباهت، لإنجازات وهمية لا يلتمس المواطن لها أي فائدة.
وفي الوقت ذاته، تبقى وزارة الخدمة المدنية أمام مسؤوليات جسيمة تتعلق بمعالجة أوضاع الموظفين والمتقاعدين والمتعاقدين والنازحين، واستيعاب الاحتياجات الوظيفية المستقبلية، وهي ملفات متشابكة تتطلب دعماً حكومياً كاملاً وإرادة سياسية جادة. فالموظف لا ينتظر امتيازات استثنائية، ولا يطلب أكثر من حقه الذي كفله القانون، وراتب يضمن له ولأسرته حياة كريمة. فاستقرار الموظف هو استقرار المؤسسة، واستقرار المؤسسة هو أساس استقرار الدولة.
ولهذا فإن العلاوات السنوية والتسويات الوظيفية ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من منظومة إصلاح اقتصادي وإداري متكاملة، لا مجرد إجراءات مالية مؤقتة، لأن الأوطان لا تُبنى برواتب تتآكل، ولا بإصلاحات تتوقف عند منتصف الطريق، وإنما تُبنى بإرادةٍ جادة، وعدالة وظيفية، واقتصادٍ قادرٍ على صون كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر.
وفي إطار جهود الحكومة الرامية إلى التخفيف من الأعباء المعيشية الناجمة عن المتغيرات الاقتصادية، وتعزيز القدرة الشرائية للموظفين، وتحسين اوضاعهم والعمل على تعزيز الاستقرار الوظيفي والإداري بشكل عام، وتنفيذاً لقرارات مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 2026م بشأن الموافقة على اعتماد بدل غلاء معيشة ومعالجة التسويات الوظيفية والعلاوات السنوية المتوقفة لكافة موظفي الخدمة المدنية، في وحدات الخدمة العامة، شرعت وزارتا (الخدمة المدنية والتأمينات، والمالية) في تنفيذ ذلك البرنامج الهادف إلى تحسين الأوضاع المعيشية لموظفي الجهاز الإداري للدولة، ومعالجة الاستحقاقات الوظيفية المتراكمة، حيث أصدرت الوزارتان تعميمين مشتركين: التعميم رقم (1) بشأن أسس وقواعد وإجراءات صرف العلاوات السنوية للأعوام (2021 - 2025م)، والتعميم رقم (2) لسنة 2026م بشأن أسس وقواعد وإجراءات صرف الزيادة 20 ٪ للموظفين بوحدات الخدمة العامة (سلطة مركزية - سلطة محلية) اعتباراً من يناير 2026م والصادرين بتاريخ 23/يونيو/2026م.
وأوضحت تلك التعاميم الأسس والقواعد المنظمة لصرف العلاوات السنوية، والإجراءات التنفيذية، وكافة التعليمات الموضحة لذلك، وإلزام مسؤولي وحدات الخدمة العامة بالسلطتين (المركزية - المحلية) بتنفيذ التعليمات ورفع الكشوفات واستكمال الإجراءات، ولما فيه الصالح العام. وتُعد هذه الخطوات مؤشراً إيجابياً يعكس حرص الخدمة المدنية على معالجة جزء من الاستحقاقات المتراكمة.
تبقى التسويات الوظيفية لم يصدر فيها تعميم للتنفيذ بالرغم من شمولها في قرار مجلس الوزراء المشار إليه آنفاً. ومع العلم بأن آخر تسوية لموظفي وحدات الخدمة العامة كانت في العام 2012م وتم توقيفها وذلك لأسباب إدارية أو فنية يعلمها ذوو الاختصاص. وتبقى هنا نقطة احتقان لدى الموظف لعدم تنفيذ التسويات المتأخرة، وربط العلاوات للأعوام (2013 - 2025م) بمبلغ الدرجة الوظيفية للتسوية والدرجة التي توقف فيها خلال العام 2012م. ورغم ضخامة التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها الحكومة، وما يترتب عليها من صعوبة في تنفيذ إصلاحات مالية واسعة، فإن ما تبذله وزارة الخدمة المدنية والتأمينات والمالية في هذا الملف يُعد جهداً يستحق التقدير، ولا سيما في ظل المتابعة المستمرة التي يشهدها هذا القطاع خلال الفترة الحالية.
