ولا ننسى أيضا الأستاذ محمد هشام باشراحيل ابن البيت الإعلامي الأول في عدن، وهو يتولى قيادة هذه الصحيفة الآن والوطن يمر بمخاض عسير وصعب أمام أمواج عاتية تتقاذفه الكثير من الصراعات السياسية والمصالح الضيقة على حساب الوطن، التي تحاول تحريف الكلمة عن مسارها وتغييب الرأي العام عن الوعي السياسي والمجتمعي، في ظل التجاذبات والهتافات البراقة التي تتعالى على حساب النزاهة والشرف والأمانة.
ولست هنا في مقام الناقد ولست أقلد أحدا أو أجامل، ولكني وددت أن أسرد موقفا لي مع هذه الصحيفة (١٤ أكتوبر)، ولا أود أن أتباهى بنفسي ولا أدعي أني من الكتاب، ولكنها ذكرى حسنة لي في بداية الكتابة وسن القلم بالأحرف التي قادتني إلى طريق الكتابة حينها، لمست فيها ذاتي وملامح نفسي، في بداية الثمانينيات من القرن الفائت، كنت حينها في زهوة الشباب وحماسة عنفواني، ولا أدري كيف نشرت لي الصحيفة (١٤أكتوبر) تلك القصة القصيرة وهي أول قصة كتبتها بعنوان «العم سعيد» في (صحيفة ١٤ أكتوبر)، كان الأستاذ الصحفي شوقي عوض – وكان صديقا لي وجمعنا الاهتمام بالثقافة والادب، حين رأى القصة قال إنها جميلة وتستحق النشر، وأنا سأنشرها لك، فأخذها مني وذهب بها الى الصحيفة، لم أصدق أول الأمر بأن (صحيفة ١٤ أكتوبر) ستنشر لي هذه القصة، وأنا أقرأ في صفحتها الثقافية لأقلام كبيرة وهامات إبداعية كبيرة، منصة أدبية وفكرية بارزة جمعت أقطاب الثقافة والفكر، أمثال الكاتب الكبير حسين سالم باصديق ومحمد عمر بحاح وعبدالله سالم باوزير وإبراهيم الكاف وميفع عبدالرحمن وفريد بركات وسعيد عولقي وسالم الفراص رحمهم الله جميعا، لم أكن حتى أحلم أن تنشر قصتي جوار كتاباتهم في تلك الصفحة.. ظللت أقرأ مرارا وتكرارا وأنا أرى صورتي في الصفحة الثقافية واسمي مدونا تحت الصورة واسم القصة.
وفي المرة الثانية من عقد الثمانينيات أيضا حين كتبت مسرحية ساخرة اسمها (المرحوم) وعملت على تقديمها فرقة أكتوبر المسرحية في مدينة الشيخ عثمان وأخرجها الصديق المخرج جمال كرمدي، الله يرحمه ويغفر له، والذي قتل غدرا في حرب ٢٠١٥م في عدن، والذي نشر إعلانا في (صحيفة ١٤ أكتوبر) للمسرحية وتقديمها للعرض وكان الإعلان كما جاء مسرحية للكاتب الشاب أحمد الجعشاني وإخراج جمال كرمدي تقدمها فرقة أكتوبر للمسرح، لقد بهرني ذلك الإعلان وأنا أرى اسمي مدونا في صحيفة (١٤أكتوبر)، ولكن ليس كل شيء يبقى حتى وإن ترك أثرا لا تمحوه الذاكرة.
غادرت عدن بعدها وشغلتنا الحياة وطلب الرزق في المهجر، أكثر من ثلاثين عاما من البعاد بيني وبين (صحيفة ١٤ أكتوبر) إلا أني وجدت نفسي أعود من حيث بدأت، وكما قال الشاعر الكبير نزار قباني (وليس الهجر يؤلمني ولكن جمال الذكريات يهز قلبي)، وهو ما جعلني أعود إليها والكتابة بين الحين والآخر، وفي هذا اليوم نستعيد ذكرى تأسيس (صحيفة ١٤أكتوبر) بعد مضي نصف قرن من الزمان وثماني سنوات تخللتها الكثير من النجاحات والصعاب، إلا أنها مرت واجتازت التحديات الكبيرة وتوالى عليها الكثير من الشخصيات في ترؤسها وقيادتها، حتى باتت مدرسة صحفية عريقة تعبر عن رأي الجماهير رغم الصعوبات والظروف التي مرت بها متجاوزة كل المنعطفات الخطرة، فهنيئا لها هذا النجاح، ونتمنى لها مزيدا من التقدم والازدهار نحو إرساء الكلمة المعبرة عن رأي الجماهير، وكما قال الشاعر الأديب عبدالرحمن الشرقاوي في قصيدة الحسين بن علي أثناء البيعة لعبد الملك بن مروان (إن الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي وبالكلمات تنكشف الغمة والكلمة نور ودليل تتبعه الأمة).
