توحيد القيادة والسيطرة تحت اللجنة العسكرية العليا وبإشراف المملكة العربية السعودية والذي أعلنه الرئيس رشاد العليمي ليس ملفًا أمنيًا تقنيا ولا خلافا سياسيا بل هو القرار السيادي اليمني الاستراتيجي الأهم فكل سلاح خارج منظومة الدولة هو مشروع تهديد مؤجل.. والتجربة اليمنية في أكثر من منعطف أثبتت أن الخطر لا يأتي من السلاح المعادي فقط بل من السلاح الذي يتم “احتواؤه” دون إخضاعه للدولة، فاحتكار القوة هو شرط وجود الدولة نفسها.
وبالقدر ذاته فإن توحيد القرار المالي لا يقل سيادية عن توحيد الجيش فالمال هو العمود الفقري لقدرة الدولة على أداء وظائفها وتقديم خدماتها، والدولة التي لا تضبط مواردها ولا تديرها من مركز واحد ليست دولة مكتملة.. ومعركة الاقتصاد هي المعركة الحقيقية والأهم وهي التي تحرك وتتحرك بها كل الأوراق.
اجتماعيا لا يمكن لما بعد الانتصار أن يدار بمنطق الانتقام، كما لا يجوز أن يدار بمنطق النسيان. وهذا ما مثله فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي وزملاؤه أعضاء مجلس القيادة وبالأخص الدكتور عبدالله العليمي ودولة الدكتور أحمد عبيد بن دغر وكل رجالات اليمن قولاً وفعلاً في مجمل موجهاتهم وخطبهم وجهودهم سواء في إدارة المعركة وإعادة ضبط البوصلة واستعادة المحافظات وفرض سلطات الدولة بالطريقة الأقل كلفة.. وتبرز الحاجة اليوم لانتهاج تسويات العدالة الانتقالية كأداة إضافية أخرى لفرض الاستقرار ومعالجة الجروح شريطة أن تنفذ بمنطق الدولة لا بمنطق التسويات.. فالدولة التي تعفو بلا مساءلة تضعف القانون والدولة التي تعاقب بلا تمييز تعيد إنتاج الصراع.. وفق معيار تمييز أساسي يفرق بين الخطأ السياسي والجريمة العامة هو ما يعيد ثقة المجتمع بفكرة الدولة.
تاريخيا يحسب للرئيس رشاد العليمي أنه الرجل الذي حافظ على جذوة الدولة حين خذلها الجميع واهتموا بمصالحهم الشخصية وها هو اليوم في خطابه ينتصر لليمن والشعب والدولة والمؤسسات بحكمة وحلول ودعوة للبناء والمستقبل، وعلى الصعيد السياسي يحسب للرئيس أيضاً أنه أعاد تعريف طبيعة المواجهات على نحوٍ جوهري ووضع الصراع في سياقه الصحيح بأنه لم يكن نزاع أشخاص بل معركة دولة تدافع عن سيادتها ومركزها القانوني وخياراتها المصيرية.. فهذا التحول يعيد تموضع اليمن من موقع طلب الدعم إلى موقع الشريك في أمن الإقليم. ومن هذا المنطلق فإن الدعم السعودي لليمن وشرعيته ووحدة نسيجه الاجتماعي وأرضه وحدوده ليس “استجابة لأزمة طارئة” بل شراكة استراتيجية طويلة المدى قائمة على إدراك متبادل بأن أمن اليمن واستقراره يشكلان إحدى الدعائم الأساسية لاستقرار المنطقة ككل.
التاريخ اليمني قاس في دروسه، كل انتصار لم يستكمل ببناء مؤسسي يتحول عاجلا ام آجلا إلى مقدمة انتكاسة.. والدولة التي لا تعيد إنتاج نفسها بعد كل أزمة، تستهدف من جديد بأدوات أكثر تعقيداً، ولنا في دورات الصراع في اليمن جنوبا وشمالاً دروس وعبر.. ما نحتاجه اليوم إلى جوار التهدئة هو شجاعة البناء وتجسيد الدولة كواقع يومي يلمسه المواطن في الأمن والراتب والخدمة والعدالة..
