ولست بصدد الغوص في تفاصيل الرواية التي خُلدت في ذاكرتنا، وكاتبها الذي شكل أهم ملهمي الإبداع في اليمن. ولكن الحديث اليوم عن صنعاء التي غدت مدينة مغلقة، لا ضوء يمرُق إليها ولا صوت يأتي منها.
بدأ وانتهى (مؤقتا على ما يبدو)، القصف الجوي على ( مدينة سام )، كما يفاخر بها اليمنيون، وميليشيات الحوثي تكتم أنفاسها. وهاهي اليوم تعاني حالها الذي شوهته أيادي البسط الأخير، ولا شيء هناك يُسمع غير دوي الصمت والقصف، لا يسمح بالحديث عما يجري فيها ولا حتى من باب التضامن.
الحوثيون أصدروا تعليمات مشددة عبر كل منابرهم بالتزام الصمت، وأن كل حديث عن صنعاء ولو من باب رسائل الهاتف الخاصة بالسؤال عن الحال تعد خيانة، وكل شكوى من واقع الأحوال عمالة، وكل هاتف يكتب عبارة عن ذعر القصف جريمة مصيرها الإخفاء الفوري، وظهر عجز الإعلام بمختلف صنوفه في صنعاء، حيث لا معلومة مؤكدة غير حالة الرعب. تُقصف المدينة فيسارع الحوثي لنشر صور غزة، ليهرب من أي ضوء أو حديث عن صنعاء. وحتى المؤيدون لمسار تمرد الحوثي لا يجرؤ أحدهم على أن يتحدث عما يجري ناهيك عن نقل الخبر ونشر الصورة.
ففي صنعاء لا صوت يعلو على صوت القائد الغائب في كهوف لا مستقر لها، ولا بيان غير ذلك الذي يأتي بصوت كرتوني حاد يعيد نفس العبارات الثلاث المكررة عن انتصارات لا أثر لها في الواقع.
هنا الصمت سيد الموقف، والشك يطيح بالجميع، بمن فيهم المحسوبون على الحركة المتمردة، ومرد ذلك هو البناء السرى الذي قامت عليه الحركة.
ولمن لا يعرف تفاصيلها فهى حركة عسكرية مُغلقة لها واجهة سياسية محدودة التأثير على القرار الداخلي فيها. وليس العكس كما هو حال التنظيمات السياسية، التي تبقى حركة سياسية مفتوحة وإن كان لها ذراع عسكرية سرية نحن في واقع مغاير هنا، أكثر تعقيدا من هيكلية حزب الله، لخصوصية اليمن ووضعها الجغرافي الصعب.
فهذا البناء الهرمي للميليشيات المغلق، محكوم بالسرية المطلقة، ولا نشر أو حديث حول مسئولي مفاصل العمل داخل التنظيم، لذا يبقى الحديث عن تفاصيل التنظيم الحوثي، وطبيعة دعوته مثار جدل، لغموض لا يفهمه البعيد عن واقع اليمن الأكثر تعقيدا من غيره.
ولكنه محكوم بنظرة مذهبية أكثر فاشية مما نتوقع، فالحوثي الذي تراه في منصات عربية مقارعا للعدوان الإسرائيلي، يعرفه اليمنيون على حقيقته التي هي ضدهم أولا وأخيرا، ويشعر اليمني بغصة مضاعفة وهو يوضح الصورة للأشقاء العرب (حسني النية) من أن الموقف اليمني ضد الكيان الصهيوني، هو موقف أصيل للشعب اليمني، وتجسد ذلك بعشرات السنوات من النضال المستمر، ومن مختلف فصائل العمل السياسي في اليمن، والفصيل الوحيد الذي لم يكن مع هذا الخندق بجدية حتى سنة خلت، هو ميليشيات الحوثي. والآن صار فجأةً متصدرا القضية، باعثا الغُصة لدى اليمنيين، في اختطافه راية فلسطين عنهم، كما اختطافه العاصمة صنعاء منهم. وصعب على المتابع غير اليمني (حسن النية) إدراك تفاصيل هذا المشهد، أما الجانب الآخر الأكثر ألماً فهو في منهجية الميليشيات المدمرة القائمة على تفتيت المجتمع اليمني، بروح طائفية لم تكن معهودة، وحالة الانتقام المستمر من كل منجز يمني. لذا عندما ضربت إسرائيل الأسبوع قبل الماضي أبرز المنشآت اليمنية من مطار صنعاء، وميناء الحديدة، ومصانع الأسمنت لم ير الحوثي بذلك خسارة له، فتلك لا تعنيه.
ويكفي أن نعرف شيئا عن ملف الإخفاء القسري الذي يعد كارثة حوثية، حيث تم اختطاف وإخفاء عشرات الصحفيين والكتاب، وآلاف الأبرياء. منذ أكثر من سبع سنوات، وهناك أكثر من 70 موظفا دوليا وناشطا منذ مطلع يونيو 2024 فقط، في سجون ومعتقلات ميليشيا الحوثي. بينهم موظفو وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وهذا الأسبوع صارت الوشاية كافية باختطاف المارة والسكان، خاصة إذا كانوا من محافظات يمنية بعينها، على أساس جهوي ومذهبي. هذا جزء من الصورة التي لا يتحدث عنها أحد في الإعلام الدولي.
أما القول عن معركة البحر الأحمر ومنع التجارة الدولية، فاليمنيون يرون الأمور على غير شكوى العالم، فالمعركة تسببت في عسكرة مياه البحر والمحيط التابعة لليمن، وغدت عذرا لأكبر تجمع عسكري عالمي، وأخيرا سلم الحوثي الأمر وجعل البلد الكبير يذهب بجريرته، ليبقى بلدا منهكا، دُمَرت كل قدراته ومنشآته، موصوما بالإرهاب، وهو شعب بريء من كل ذلك. لكنها لعبة الأمم التي تجعل من بلد محوري ساحة للتصفيات الدولية، ومختبرا للاسلحة وجنون الإرهاب.