جرائم تُرتكب في الخفاء وضحايا يُحاصرهم الخوف وصمت المجتمع



تحقيق/ نغم جاسم
ظهرت جرائم الابتزاز الإلكتروني فجأة على سطح المشهد اليمني كواحدة من أخطر الجرائم المعلوماتية التي يُنفذها ضعاف النفوس، مستغلين الانشغال والتوسع السريع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والجهل بالاستخدام الآمن للتقنية.
وفي مجتمع محافظ تُسيطر عليه النظرة الذكورية، تُفرَض حالة من الصمت على عمليات الابتزاز التي تتعرض لها الفتيات؛ إذ تحول المخاوف الاجتماعيّة دون الإفصاح عن التهديدات التي تطالهن بنشر صورهن الشخصية، ما يجعل كمًا هائلاً ومفزعًا من الحوادث يظل مدفونًا تحت رماد الخوف والكتَمان.
بين فخ المال والمساومة على الشرف
"ابتزني من أجل المال".. حكاية فاطمة
تروي "فاطمة" (اسم مستعار) تجربتها المريرة مع الابتزاز على يد شخص مجهول قائلة: "بدأ الأمر باختراق هاتفي وسحب صوري الشخصية، ليقوم بعدها بابتزازي ماليًا. أصبت في البداية بانهيار وخوف شديدين؛ خوفًا من أهلي ومن تشويه سمعتي، خاصة في مجتمع يُلصق اللوم بالفتاة دومًا دون فحص الأسباب".
تُضيف فاطمة أنها خضعت للمبتز في البداية بدفع المال، لكن مطامعه لم تتوقف بل تضاعفت، ما دفعها للبحث عن حل جذري: "استشرت شخصًا أثق به كثيرًا، وشرح الوضع لأهلي الذين تفهموا الأمر، ورغم بعض المضايقات النفسية والمعاناة التي عشتها، إلا أن القصة انتهت. وأنصح كل فتاة بعدم مشاركة أو وضع صورها الشخصية في هاتفها لتتجنب هذه المعاناة".
"هكّر حسابي وصمد أخي".. تجربة أمل
أمّا "أمل" (اسم مستعار) فكانت ضحية رابط خبيث أُرسل إليها، وتقول:
"لم يخطر ببالي أنه اختراق. في اليوم التالي ظهر المبتز مهددًا بصوري، ومطالبًا بالخروج معي مقابل حذفها، بل وصل به الأمر إلى التسلل لمحادثاتي مع صديقاتي لابتزازهن أيضًا. وبعد شوط من الصدمة، قررت إخبار أخي".

كان رد فعل شقيق أمل حاسمًا، حيث أخذ الهاتف وتواصل مع المبتز مواجهًا إياه بعدم الخوف من تهديداته، ومؤكدًا ثقته بأخته وعزمه على إبلاغ الجهات المختصة. وحين شعر "الهكر" بثبات الأسرة وموقفه المأزوم، انسحب دون نشر أي شيء.
تؤكد أمل أن غياب التشريعات الصارمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، إلى جانب استغلال خوف البنات من ردود فعل أهاليهن، هما المحركان الرئيسيان لاستفحال هذه الجرائم، متوجهة بالنصيحة: "أدعوكِ ألا تخافي أو تضعفي، وألا تنفذي أي طلب، بل سارعي باللجوء لشخص موثوق في الأسرة أو للجهات المختصة، فأنتِ لم ترتكبي خطأً".
طعنة من القريب.. قصة سحر
لم تكن تجربة "سحر" (اسم مستعار) اختراقًا تقنيًا بقدر ما كانت خيانة للأمانة، حيث قامت إحدى صديقاتها إثر خلاف بينهما بتسليم صورها لشاب كي يبتزها. لكن الأخير رفض المساومة ونصح سحر بالحذر من صديقتها.
تعلق سحر قائلة: "على كل فتاة ألا تفرط في الثقة حتى بأقرب صديقاتها، وألا تترك صورها بحوزة أحد للذكرى، كي لا تقع ضحية ابتزاز مباشر أو غير مباشر".
الجانب النفسي: الآثار والتداعيات
حول التبعات النفسية الواقعة على الضحايا، تُوضح نعمة منذوق (الاخصائية النفسية والمعالجة بمؤسسة الرعاية النفسية التنموية) أن الفتاة المعرضة للابتزاز تمر بمراحل انفعالية شديدة، تبدأ بـ
الصدمة النفسية: عند اكتشاف تهديد حريتها وسمعتها.
الخوف والقلق الدائمين: خشية تنفيذ التهديد، مع الشعور بالخجل ولوم الذات على الثقة المفرطة.
الانسحاب والاكتئاب: تظهر على الفتاة أعراض جسمانية ونفسية؛ مثل فقدان الشهية، اضطرابات النوم، البكاء المتكرر، والعزلة عن الأهل خوفًا من الانتقاد أو الفضيحة.
تؤكد الاخصائية النفسية على أهمية "توفير بيئة أسرية آمنة ودائمة للضحية، بعيدًا عن اللوم وممارسة السلطة، مع طمأنتها بأن المذنب الحقيقي هو المبتز، ومساعدتها على استعادة أمانها النفسي وتقديم الدعم القانوني والنفسي المتخصص لها".
ختامًا: المسؤولية المشتركة
تظل قضية الابتزاز الإلكتروني جريمة معلوماتية مكتملة الأركان تتطلب مواجهة مجتمعية وقانونية حازمة.

الحماية تبدأ من التوعية الأسرية والوقوف بجانب الضحايا وعدم تركهم فريسة للمبتزين، مرورًا بالحذر التقني في تعامل الفتيات مع صورهن ومعلوماتهن الخاصة، وصولاً إلى تفعيل القوانين والتشريعات التي تلاحق مرتكبي هذه الجرائم وتضع حدًا لاستغلالهن.
