أعادت التطورات التي شهدها البحر الأحمر خلال العامين الماضيين طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأمن الإقليمي ومصادر التهديد التي تواجهه. وقد انصبت الجهود الدولية والإقليمية على حماية الملاحة البحرية وتأمين التجارة العالمية واحتواء الهجمات على السفن. وعلى أهمية هذه الإجراءات، فقد انصبت أساسًا على إدارة نتائج الأزمة أكثر من معالجة أسبابها.
غير أن النظر إلى البحر الأحمر بوصفه ساحةً بحريةً مستقلة يظل قاصرًا عن تفسير طبيعة الصراع. فما يحدث في الممرات البحرية ليس سوى انعكاس لميزان القوى القائم على اليابسة، وتحديدًا على الساحل الغربي لليمن.
وينطلق هذا المقال من أطروحة رئيسية مفادها أن الساحل الغربي لليمن يمثل العقدة الحاكمة التي تتقاطع عندها قضيتان تبدوان منفصلتين، بينما هما في الحقيقة وجهان لمسألة استراتيجية واحدة: أمن البحر الأحمر واستكمال استعادة الدولة اليمنية. فاستعادة سيطرة الدولة الشرعية على هذا الساحل لا تعني فقط إزالة المصدر الجغرافي الذي تنطلق منه التهديدات البحرية، بل تعني أيضًا إعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن، بما يفتح الطريق أمام استكمال بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
ومن هذا المنطلق، يجادل المقال بأن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية لا يتحقق بتكثيف الإجراءات البحرية وحدها، بل بإعادة توجيه الاهتمام إلى الجغرافيا التي تتولد منها عناصر القوة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المقال يمثل صيغةً عربيةً منقحةً ومحدثةً لمقال نُشر باللغة الإنجليزية في مجلة Eurasia Review بتاريخ 3 أغسطس 2026، وقد أُعيدت صياغته بما يراعي السياق العربي، مع إضافة تحليلات وإضاءات جديدة لم تتضمنها النسخة الإنجليزية.
الاحتواء وحده لم يعد كافيًا
أثبتت السنوات الماضية أن سياسات الاحتواء كانت ضرورية للحد من آثار التصعيد وحماية حركة الملاحة الدولية. غير أن نجاحها في إدارة الأزمة لا يعني أنها عالجت أسبابها. فالاحتواء يحد من آثار التهديد، لكنه لا يزيل البيئة الجغرافية والسياسية التي تسمح بإعادة إنتاجه.
ومن هنا يبرز الفارق بين الاحتواء واستعادة زمام المبادرة الاستراتيجية. فالاحتواء يركز على التعامل مع نتائج الخطر، بينما تستهدف المبادرة تغيير الظروف التي تمنحه القدرة على الاستمرار. ولا يعني ذلك الاستغناء عن الوسائل العسكرية والبحرية، بل توظيفها ضمن رؤية أشمل تعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها.
وفي الحالة اليمنية، تقود هذه الرؤية إلى نتيجة جوهرية: فمصدر التهديد لا يكمن في البحر ذاته، بل في الجغرافيا التي تمنحه القدرة على التأثير فيه. ولذلك، فإن أي استراتيجية تقتصر على حماية الملاحة، من دون معالجة هذا الواقع الجغرافي، ستظل تدور في حلقة الاحتواء، مهما بلغت كفاءتها العملياتية.
ساحل اليمن الغربي.. مركز الثقل الحاسم
إذا كان الاحتواء لا يكفي لتحقيق أمن مستدام، فإن الخطوة التالية تتمثل في تحديد مركز الثقل الذي تتوقف عليه ديناميات الصراع. وفي الحالة اليمنية، لا يكمن هذا المركز في البحر الأحمر ذاته، بل في الساحل الغربي، حيث تتحول السيطرة على الأرض إلى قدرة على التأثير في البحر.
فالنفوذ الذي تمارسه جماعة الحوثي في البحر الأحمر لا يستند إلى تفوق بحري، بل إلى سيطرتها على الشريط الساحلي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية ليست مصدر القوة بحد ذاتها، وإنما أدوات تستمد فاعليتها من الجغرافيا التي تنطلق منها. ولذلك، فإن أي استراتيجية تركز على تحييد هذه الوسائل من دون معالجة الجغرافيا التي تمنحها قيمتها الاستراتيجية ستظل تعالج النتائج أكثر من الأسباب.
غير أن أهمية الساحل الغربي لا تقتصر على أمن البحر الأحمر، بل تمتد إلى كونه الركيزة الجغرافية التي استند إليها ميزان القوى داخل اليمن. فقد ظل، عبر التاريخ، بوابة الاتصال بالعالم الخارجي، وشريانًا للإمداد والتجارة، وعمقًا استراتيجيًا منح من يسيطر عليه مزايا لم توفرها المرتفعات الجبلية وحدها.
ومن هنا، فإن استعادة الساحل الغربي تحقق تحولًا استراتيجيًا مزدوجًا؛ فهي تزيل الأساس الجغرافي الذي تنطلق منه التهديدات الموجهة إلى الملاحة الدولية، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيل ميزان القوى داخل اليمن عبر إضعاف الركيزة التي استندت إليها سلطة الحوثيين في شمال غرب البلاد. وبذلك يغدو أمن البحر الأحمر واستكمال استعادة الدولة اليمنية نتيجتين مترابطتين لتحول جغرافي واحد.
ويؤكد التاريخ اليمني هذه الحقيقة بوضوح. فقد أدرك العثمانيون أن السيطرة على تهامة وساحل البحر الأحمر شرط للحفاظ على نفوذهم في الداخل، وتكرر المنطق نفسه في حرب عام 1934 حين غيّر سقوط الحديدة ميزان الصراع، رغم استمرار تقدم قوات الإمام يحيى في الجبهة الجبلية. كما أعادت أحداث عام 2018 تأكيد الدرس ذاته؛ إذ أدى توقف عملية تحرير الحديدة بموجب اتفاق ستوكهولم إلى بقاء الساحل خارج سلطة الدولة، فاستمر معه مصدر التهديد البحري، واستمر معه أيضًا ميزان القوى الداخلي.
ومن ثم، فإن الطريق إلى أمن البحر الأحمر لا يبدأ في عرض البحر، بل على الساحل الغربي لليمن؛ وهناك أيضًا تبدأ الخطوة الحاسمة نحو استكمال استعادة الدولة اليمنية.
نحو الاستعادة الكلية للمبادرة الاستراتيجية
إن تحديد مركز الثقل الحقيقي للصراع يغيّر طريقة التفكير في كيفية معالجته. فإذا كان الساحل الغربي لليمن يمثل مركز الثقل الحاسم في معادلة أمن البحر الأحمر، فإن استعادة المبادرة الاستراتيجية لا تبدأ بتوسيع إجراءات الاحتواء، وإنما بتوجيه الجهد نحو هذا المرتكز الجغرافي الذي تتوقف عليه ديناميات الصراع.
ولا ينتقص ذلك من أهمية العمليات البحرية أو الضربات الجوية، فهذه ستظل أدوات ضرورية لحماية الملاحة الدولية والحد من المخاطر المباشرة. غير أن فعاليتها الحقيقية تتعاظم عندما تصبح جزءًا من استراتيجية أشمل تستهدف إزالة الأساس الجغرافي الذي يمنح التهديد قدرته على الاستمرار، بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه.
ومن هذا المنظور، لا يعود أمن البحر الأحمر واستكمال استعادة الدولة اليمنية مسارين منفصلين، بل يغدوان هدفين متكاملين لاستراتيجية واحدة. فكل تقدم في بسط سلطة الدولة على الساحل الغربي ينعكس مباشرة على أمن الملاحة الدولية، وفي الوقت نفسه يعيد تشكيل ميزان القوى داخل اليمن بما يعزز فرص استعادة الاستقرار على المدى البعيد.
وتتجاوز دلالات هذه الرؤية حدود اليمن نفسها. فالاستقرار الإقليمي لا يتحقق بتأمين الممرات البحرية وحدها، بل أيضًا بمعالجة البيئات الجغرافية والسياسية التي تولّد التهديدات. ومن ثم، فإن بناء منظومة أمنية أكثر استدامة يقتضي الجمع بين حماية الملاحة، وتعزيز قدرة الدولة، وتقوية المرونة الاستراتيجية للإقليم، بوصفها عناصر متكاملة في رؤية استراتيجية واحدة.
إن الجغرافيا لا تفرض مسار التاريخ، لكنها تحدد نقاط الارتكاز التي تتشكل عندها موازين القوة. وفي الحالة اليمنية، تشير معطيات الماضي والحاضر إلى الحقيقة نفسها: فالساحل الغربي ليس مجرد جبهة من جبهات الصراع، بل هو العقدة الحاكمة التي يلتقي عندها أمن البحر الأحمر مع استكمال استعادة الدولة اليمنية.
ومن هنا، فإن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى الاستعادة الكلية للمبادرة الاستراتيجية لا يمثل مجرد تغيير في أدوات إدارة الصراع، بل تحولًا في فهم طبيعته. وعندما تُوجَّه الجهود إلى مركز الثقل الحقيقي، يصبح بالإمكان الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي أنتجتها. وعندها فقط يغدو أمن البحر الأحمر واستكمال استعادة الدولة اليمنية هدفين متلازمين لاستراتيجية واحدة، لا مسارين منفصلين لسياسات متفرقة.
