الرئيس الأمريكي ترمب يعلّق الهجوم على إيران

واشنطن / طهران / 14 أكتوبر / متابعات :
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تعليق هجوم جديد كان مقرراً على إيران، مشترطاً التوصل سريعاً إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز وينهي «التهديد النووي الإيراني»، بعد أيام من استعدادات أميركية وإسرائيلية لحملة قصف واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية.
وقال ترمب إن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت من الولايات المتحدة إرجاء الهجوم بعدما قال إن «معالم» اتفاق قد تحددت، مضيفاً أنه وافق على إلغاء العملية «من أجل مصلحة العالم في المستقبل، وكذلك من أجل بقاء إيران ناجحة ومزدهرة»، شريطة إنجاز الاتفاق سريعاً.
وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»، أن التفاهم يجب أن يشمل «الفتح الفوري والكامل والشامل» لمضيق هرمز، و«إنهاء التهديد النووي الإيراني»، مضيفاً أن إسرائيل «تنضم» إلى هذا الالتزام، من دون أن يصدر عن الحكومة الإسرائيلية تأكيد علني لموافقتها على وقف الضربات.
وجاء الإعلان بعدما أكد ترمب أن الولايات المتحدة لا تزال جاهزة للتحرك العسكري ضد إيران إذا تعثرت المفاوضات، في إشارة إلى أن تعليق الهجوم يبقى مشروطاً بإحراز تقدم سريع نحو اتفاق. ودعا جميع الأطراف إلى الإسراع في إنجاز الاتفاق، قائلاً: «ليبدأ الجميع العمل وينجزوا الأمر».
وكتب أن الولايات المتحدة «جاهزة لضرب إيران بمستويات من الرعب العسكري والقوة لم تُشهد منذ الحرب العالمية الثانية».
وكان الرئيس الأميركي قد هدد، خلال اجتماع حكومته في منتجع كامب ديفيد، بضرب إيران «بقوة شديدة»، قائلاً إن استمرار العمليات سيقود طهران في نهاية المطاف إلى القول إنها «لم تعد قادرة على التحمل». لكنه أبدى في الوقت نفسه ثقته بإمكان توصل فريقه التفاوضي، الذي يضم صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى تفاهم مع الإيرانيين.
ويعيد إعلان ترمب الحرب إلى مسار سبق أن تعثر مراراً منذ اندلاعها في 28 فبراير فقد أعلن الرئيس الأميركي في مناسبات سابقة، وقفاً أو تعليقاً للضربات، قبل انهيار التفاهمات واستئناف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران.
وفي اتصال سبق إعلان ترمب، شدد محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، على أولوية الحوار وخفض التصعيد، وضرورة التوصل إلى تهدئة تمهد لحلول دبلوماسية وتحول دون اتساع الحرب.
جاء قرار تعليق الضربة فيما كانت واشنطن وتل أبيب تستعدان لما وصفته مصادر أميركية بأنه إحدى أقسى حملات القصف منذ اندلاع الحرب، محددة منشآت الطاقة الإيرانية في مقدمة بنك الأهداف.
وقالت مصادر لشبكة «سي بي إس نيوز»، إن الولايات المتحدة وإسرائيل خططتا لعملية مشتركة قد تشمل مصافي نفط ومحطات لتوليد الكهرباء ومرافق حيوية أخرى، وكان من الممكن أن تبدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وأفادت تقارير أميركية بأن إدارة ترمب كانت تنظر إلى استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية بوصف ذلك وسيلة لزيادة الضغط على طهران وإجبارها على قبول الشروط الأميركية في مفاوضات إنهاء الحرب.
كما نقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين، أن ترمب أمر بالاستعداد لهجوم جديد يهدف إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات، بعدما خلص إلى أن الأدوات الدبلوماسية السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة.
وخلال الأيام التي سبقت إعلان التعليق، استهدفت الولايات المتحدة مواقع داخل إيران، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها شملت مراكز قيادة عسكرية ومنشآت للصواريخ والطائرات المسيّرة ومواقع للمراقبة والدفاع الساحلي وقدرات بحرية.
وشهدت المنطقة أيضاً هجمات على قوات ومصالح أميركية وحليفة. وأضافت «سنتكوم» أن إيران أطلقت هجوماً مفاجئاً بصواريخ باليستية على قوات أميركية في الشرق الأوسط، مشيرة إلى اعتراض جميع الصواريخ.
ورغم إعلان ترمب تعليق العملية الجديدة، بقيت التحذيرات الأمنية الأميركية قائمة. وأصدرت وزارة الخارجية الأميركية تنبيهات لرعاياها في 10 دول، داعية إياها إلى الاستعداد لإلغاء الرحلات وإغلاق المجالات الجوية وتعطل حركة السفر.
وكانت سفارات الولايات المتحدة في عمّان وبغداد والقدس قد حذرت من «تصعيد غير متوقع»، وحثت الأميركيين على التفكير في المغادرة، أو الاستعداد لها إذا اتسعت المواجهة.
وناقشت إدارة ترمب خلال الأيام الأخيرة، مخاطر استنزاف مخزونات صواريخ «باتريوت» الاعتراضية وذخائر الدفاع الجوي إذا توسعت الحملة، إلى جانب احتمالات تعرض حلفاء واشنطن في الخليج العربي لهجمات إيرانية وارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب، وفقاً لوسائل إعلام أميركية.
وفي أول تعليق إسرائيلي بعد إعلان ترمب، قال وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري الأمني المصغر إيلي كوهين، إن هناك تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً وثيقاً بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن جميع التطورات في المنطقة، لكنه شدد على أن بلاده ستتحرك عسكرياً إذا استأنفت إيران برنامجها النووي أو طورت قدراتها الصاروخية، «سواء أُبرم اتفاق أم لا».
وقال مسؤول إسرائيلي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحثا خلال اجتماعهما في واشنطن الأسبوع الماضي، مختلف الخيارات لكبح البرنامج النووي الإيراني، بما يشمل المسار الدبلوماسي والضغوط الاقتصادية والخيار العسكري.
قال مسؤول إقليمي لوكالة «أسوشييتد برس» مشارك في جهود الوساطة، إن المقترح الجديد يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات لمعالجة القضايا التي أعاقت التفاهمات السابقة، مؤكداً أن اتفاقاً نهائياً لم يُبرم بعد، وأن الاتصالات لا تزال مستمرة. ويتضمن المقترح، وفق المسؤول، إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات في أنحاء المنطقة، بما فيها عمليات الفصائل المدعومة من إيران في العراق ضد دول الخليج العربي والأردن.
وفي المقابل، تنهي الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، وتسمح لطهران باستئناف صادراتها النفطية، وفق الشروط التي وردت في تفاهم وقف إطلاق النار المؤقت.
وقال ترمب إن إسرائيل تنضم إلى التزامه بوقف الحرب إذا تم التوصل إلى الاتفاق، فيما لم يصدر تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية، ما أبقى الغموض قائماً بشأن مستوى التنسيق الفعلي وحدود التزام تل أبيب بأي وقف جديد للعمليات.
ويأتي ذلك بعد انهيار تفاهمات سابقة تضمنت شروطاً مشابهة، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز. وقد استأنفت واشنطن وطهران تبادل الضربات في مطلع يوليو بعدما كانت مذكرة تفاهم وُقعت في منتصف يونيو قد مهدت لمحادثات إنهاء الحرب.
رفض مسؤولون عسكريون إيرانيون، قول ترمب إن طهران طلبت وقف الهجوم، ووصفوا ذلك بأنه «كذبة جديدة» تستهدف الضغط على دول المنطقة. وقالت وكالة «مهر» الحكومية استناداً إلى المسؤولين العسكريين، إن تصريح ترمب «لم يكن سوى كذبة جديدة»، مضيفة أن القوات المسلحة الإيرانية «في حالة تأهب قصوى ومستعدة لأي احتمال».
وقال المسؤولون إن القوات الإيرانية لا تزال في أعلى درجات الاستعداد، سواء قررت الولايات المتحدة تصعيد عملياتها أو التراجع عنها، محذرين من أن ساحة المعركة ستحدد النتيجة إذا أصبحت المواجهة أمراً لا مفر منه.
من جانبها، أفادت وكالة «فارس» نقلاً عن مصدر وصفته بأنه مقرب من فريق التفاوض الإيراني، بأن الحديث عن التوصل إلى تفاهم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز «غير صحيح»، مشيراً إلى أن المضيق سيبقى مغلقاً ما دامت الولايات المتحدة تواصل «أعمالها العدائية».
وكتب مجيد ابن الرضا، القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، على منصة «إكس»، أن بلاده «لم تكن متفاجئة ولا سلبية» بعد إعلان ترمب، وأن القوات الإيرانية ستظل متأهبة في مواجهة ما وصفه بالتهديدات الأميركية الملموسة.
وأضاف أن طهران تنظر إلى التهديدات الأميركية الأخيرة باعتبارها «حرباً نفسية وذهنية»، لكنها تتعامل معها بجدية، ولن تؤخذ على حين غرة أو تقف مكتوفة الأيدي.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قد حذر الولايات المتحدة من أي «عمل متهور»، وأبلغ مسؤولين في تركيا وباكستان بأن طهران سترد بحزم على أي «عدوان»، محذراً من تداعيات الإجراءات الأميركية على أمن المنطقة.
كما قال عراقجي لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي، أو مشاركة دول إقليمية فيه، كل ذلك سيواجه بـ«رد متناسب» من القوات المسلحة الإيرانية.
وفي هذا السياق، أجرى عراقجي مساء السبت، اتصالات هاتفية مع نظيره التركي هاكان فيدان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، تناولت مخاطر اتساع المواجهة وسبل احتواء التصعيد.
وفي مؤشر إلى استمرار التوتر الميداني، أعلن الجيش الكويتي تدمير طائرات مسيرة إيرانية استهدفت منشآت حيوية، بينما أكدت طهران أن قواتها لا تزال في أعلى درجات الجاهزية.
لا تزال إيران تفرض قيوداً مشددة على الملاحة في المضيق، وتشترط الحصول على إذن مسبق ودفع رسوم عبور، فيما انخفضت حركة الملاحة فيه «بحدة»، وفق شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع التجارة البحرية.
وكان يمر عبر المضيق قبل الحرب نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ما جعل تعطيله عاملاً رئيسياً في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والتضخم.
وبعد انهيار وقف إطلاق النار في أبريل قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 24 في المائة. ويتوقع محللون استطلعت «رويترز» آراءهم، استمرار ارتفاع الأسعار خلال العام الحالي.
ويقول ترمب إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يبرر تحمل ارتفاع تكلفة الوقود على المدى القريب، إلا أن التداعيات الاقتصادية زادت الضغط السياسي عليه لإيجاد مخرج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وفي موازاة الاتصالات السياسية، استمرت الحوادث الأمنية في الممرات البحرية. وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت بلاغين عن حادثتين قبالة سواحل سلطنة عمان، إحداهما تعرضت فيها ناقلة لمقذوف مجهول ألحق أضراراً بغرفة المحركات، فيما أبلغ ربان ناقلة أخرى عن انفجار وتناثر للمياه قرب سفينته من دون تسجيل أضرار.
وأبقت الولايات المتحدة تحذيراتها الأمنية لرعاياها في عدد من دول الشرق الأوسط، داعية إياهم إلى الاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية إذا تجدد التصعيد.
