أكاذيب الحوثي ومغامراته على حساب الشعب اليمني
ليس جديدا على مليشيا الحوثي أن تلجأ إلى اختلاق الروايات، وترويج المزاعم كلما اشتدت عليها الضغوط وضاقت أمامها خيارات المناورة. فمنذ انقلابها على الدولة، اعتادت توظيف الدعاية الإعلامية كوسيلة للهروب من الإخفاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وإشغال الرأي العام بقضايا جانبية بدلا من مواجهة استحقاقات الداخل. وتأتي مزاعمها الأخيرة بشأن استهداف طائرات التحالف العربي ضمن هذا السياق باعتبارها محاولة لصناعة انتصار إعلامي وهمي، والتغطية على أزمات متفاقمة تعصف بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمتها تصاعد الغضب الشعبي والقبلي واتساع رقعة الاحتجاجات على تدهور الأوضاع المعيشية وفشلها المستمر في إدارة تلك المناطق.
فالواقع الذي يعيشه اليمنيون تحت سيطرة المليشيات الحوثية يكشف صورة مغايرة تماما لما تحاول تسويقه. اقتصاد يترنح، ورواتب منقطعة منذ سنوات، وخدمات أساسية تتهاوى، وعملة منهكة، وموارد الدولة تستنزف لصالح مشروع عسكري وأمني مرتبط بالأجندة الإيرانية، بينما يرزح ملايين المواطنين في مناطق سيطرتهم تحت وطأة الفقر والجوع وانعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة. وكلما ارتفعت أصوات المواطنين المطالبة بحقوقهم المشروعة وفي مقدمتها صرف المرتبات وتحسين الخدمات ووقف الانهيار الاقتصادي، سارعت المليشيا إلى افتعال الأزمات الخارجية وتصعيد خطابها العسكري والإعلامي، في محاولة لصرف الأنظار عن إخفاقاتها ونهبها لمقدرات اليمنيين في مناطق سيطرتها.
وفي السياق ذاته تحاول المليشيا إعادة إحياء قنوات التواصل المباشر مع النظام الإيراني تحت غطاء ما تسميه “الرحلات الإنسانية”، في حين أن أي خط جوي مباشر بين صنعاء وطهران خارج إطار الحكومة الشرعية يمثل انتهاكا صارخا لسيادة الجمهورية اليمنية، وتجاوزا للقانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة. كما أن ذلك يعيد إلى الأذهان الجسر الجوي الذي أنشأته إيران عام 2014م والذي استخدم حينها لتعزيز انقلاب المليشيات الحوثية ونقل الخبراء والدعم اللوجستي وترسيخ النفوذ الإيراني داخل اليمن، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في تقويض مؤسسات الدولة وإطالة أمد الصراع.
ولا يمكن القبول بتوظيف الملف الإنساني كغطاء لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية أو عسكرية. فالمرضى والعالقون اليمنيون يستحقون معالجة أوضاعهم بعيدا عن أي استغلال وعبر الحكومة الشرعية والآليات الدولية المعتمدة، بما يضمن وصول المساعدات والخدمات الإنسانية وفقا للقانون الدولي وليس عبر ترتيبات أحادية تمنح المليشيات الحوثية وإيران منفذا جديدا لتعزيز نفوذهما وتقويض مؤسسات الدولة.
كما يتحمل النظام الإيراني مسؤولية مباشرة عن استمرار دعمه للمليشيات الحوثية بالسلاح والخبرات والتقنيات، وما ترتب على ذلك من تهديد للأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، والتجارة العالمية. فقد أصبح هذا الدعم أحد أهم أسباب إطالة أمد الحرب، وتعطيل جهود السلام، وتحويل اليمن إلى ساحة لتنفيذ مشروع ايراني يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
ولم تكن الكلفة الأكبر لهذه السياسات سوى ما تكبده اليمن من خسائر جسيمة في مقدراته الوطنية وبنيته التحتية. فالمليشيات الحوثية من خلال تنفيذها للأجندة الإيرانية ومهاجمتها خطوط الملاحة البحرية والسفن التجارية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب عرضت مقدرات الشعب اليمني للاستهداف والتدمير وما أعقب ذلك من استهداف لموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى ومطار صنعاء الدولي، ومحطات الكهرباء والمصانع وغيرها من المنشآت الاقتصادية والحيوية التي تمثل شريان حياة للمواطن اليمني، الأمر الذي عمق الأزمة الإنسانية وفاقم معاناة الملايين.
وفي المقابل واصلت الحكومة اليمنية - بدعم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والشركاء الدوليين- تبني خيار السلام العادل والشامل، وساندت مختلف المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، وتنفيذ خارطة طريق تفضي إلى استعادة مؤسسات الدولة، ورفع معاناة الشعب اليمني. إلا أن مليشيات الحوثي قابلت تلك الجهود بالرفض والمماطلة، وأصرت على التصعيد العسكري، وعرقلة مسارات التسوية، والزج باليمن في مزيد من الأزمات خدمة للأجندة الإيرانية وبعيدا عن مصالح اليمنيين وتطلعاتهم في الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن المليشيات الحوثية لا تعيش إلا في بيئة الأزمات والاقتتال والفوضى، ولا ترى في السلام مصلحة لمشروعها المسلح، ولذلك تلجأ في كل مرة تواجه فيها ضغوطا داخلية إلى تصعيد عسكري أو إعلامي أملاً في الهروب من استحقاقات الداخل، وإسكات الأصوات المطالبة بالمحاسبة والحقوق والخدمات.
إن الحملات الدعائية لا تصنع انتصارا، والأكاذيب لا تغير حقائق الواقع. وما يحتاجه اليمنيون اليوم ليس مزيدا من الشعارات أو المغامرات العسكرية، بل استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب مليشيات الحوثي، وتوجيه موارد البلاد نحو البناء والتنمية بما يحقق الأمن والاستقرار ويحفظ سيادة اليمن.
ومن هنا فإن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ موقف واضح وحازم تجاه أي خطوات تقوض سيادة الجمهورية اليمنية أو تسهم في تعزيز القدرات العسكرية لمليشيات الحوثي خارج إطار الشرعية والقانون الدولي، والعمل على منع تحويل مطار صنعاء إلى ممر يخدم المشروع الإيراني ويهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية؛ لأن حماية سيادة اليمن واستقراره تمثل اليوم جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن الإقليمي والدولي.
