ليست كل الأسلحة تُخصَّب في المفاعلات، فبعضها يولد في الجغرافيا. والعالم اليوم يعيش جدلاً لا يقل خطورة عن سباق التسلح النووي، لكنه هذه المرة يدور حول الممرات المائية.
ولاتزال ارتدادات الزلزال الذي أثاره مضيق هرمز تتوالى، حتى بات السؤال الحقيقي: أيهما أخطر في ميزان القوة، قنبلة نووية أم مضيق تتحكم به دولة واحدة؟
إذا نجحت إيران في انتزاع اعتراف إقليمي ودولي بسيطرة إدارية فعلية على مضيق هرمز، فإنها تكون قد حققت مكسبا استراتيجيا قد يفوق، في أثره السياسي والاقتصادي، امتلاك السلاح النووي نفسه.
فالمفاعل يمكن تعطيله، أما المضيق فلا يمكن نقله من مكانه.
ربما تؤجل طهران ملف التخصيب، أو تقدم فيه تنازلات محسوبة، لكنها لن تفرط بما هو أثمن: الأموال المجمدة، ونقطة التحكم في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي «هرمز».
هنا تبدو المفارقة لافتة. فما قد تراه واشنطن انتصارا دبلوماسيا بوقف التخصيب النووي، قد يتحول إلى انتصار إيراني أكثر عمقاً إذا اقترن بالإفراج عن الأموال وغض الطرف عن تكريس النفوذ في هرمز.
عندها لن تكون إيران قد خرجت فقط من حافة الانهيار الاقتصادي، بل ستدخل مرحلة جديدة من القوة الهادئة، القوة التي لا تحتاج إلى إطلاق صاروخ، بل إلى التحكم في طريقه.
انشغلت الولايات المتحدة بالملف النووي لأنه الأكثر حضورا في السياسة الداخلية الأمريكية، لأن عينها في هذا الوقت على الداخل الأمريكي، بينما بقي الملعب الإقليمي خارج الحسابات الدقيقة. ولم يكن مستغربا أن تُدار التفاهمات بعيدا عن أصحاب الجغرافيا أنفسهم، وكأن أمن المنطقة يمكن أن يُرسم من وراء البحار. بل وأن توقع مذكرة التفاهم عن بعد.
ولهذا بدت أي تفاهمات مجرد صفارة حكم أوقفت المباراة قبل نهايتها، لا إعلانا للفوز. فالوقت المستقطع ليس سلاما، وإنما هدنة تنتظر الجولة التالية.
المعادلة التي قد يغفل عنها كثيرون أن الهيمنة المطلقة على هرمز تعني عمليا منح شرطي جديد مفاتيح التجارة والطاقة في الإقليم.
ولن يصبح الأمر مجرد وسيلة للضغط أو الابتزاز، بل يصبح انتقالا تدريجيا إلى هيمنة طويلة المدى على صادرات المنطقة وأسواق العالم.
ولو خُيّر صانع القرار بين استمرار برنامج نووي مكلف ومحاصر، وبين نفوذ دائم على مضيق هرمز، فقد لا يكون الاختيار صعبا. فالمضيق يمنح نفوذا يوميا، بينما يمنح السلاح النووي ردعا افتراضيا قد لا يستخدم أبدا.
ولعل السخرية المرة هنا تعيد صياغة المثل الشهير: لا تعطني سمكة كل يوم، ولا تعلمني كيف أصطاد... بل سلمني هرمز.
لكن القضية لا تقف عند حدود الخليج. فما يحدث يفتح الباب أمام مراجعة واسعة لمفهوم السيطرة على المضايق والممرات البحرية.
واليمن، بما يمتلكه من موقع فريد على بحر العرب وخليج عدن وباب المندب، سيعود حتما إلى قلب المعادلة الجيوسياسية. فالجغرافيا التي أُهملت سنوات، قد تصبح غدا مفتاحا لإعادة رسم خرائط النفوذ. ولذلك فإن أمن الممرات البحرية لا يمكن أن يبقى رهينة تفاهمات ثنائية تتجاوز دول الإقليم.
فالأمن الإقليمي مسؤولية أهل المنطقة أولا، أما المجتمع الدولي فدوره أن يساند الاستقرار، لا أن ينتج ترتيبات مؤقتة تؤجل الأزمات وتؤسس لصراعات جديدة.
لقد قال العرب قديما: أهل مكة أدرى بشعابها. واليوم يمكن القول إن أهل هذا الشرق، المنسي حين تُوزع المغانم، والحاضر دائما حين تُوزع المغارم، هم الأدرى بتوازناته وتعقيداته.
وأي تفاهم لا يجعل العدالة، وفى مقدمتها العدالة لفلسطين، أساسا للاستقرار، سيظل معلقا في سماء القلق، ينتظر أول شرارة ليعود دخان الحرب إلى الأفق.
أما إذا كانت التفاهمات تُصاغ لإرضاء الداخل الأمريكي أكثر مما تُبنى على حقائق المنطقة، فإنها لن تكون سوى استراحة قصيرة في حرب طويلة.
وعندما تنتهي حسابات الانتخابات، ستعود الأسئلة القديمة، وسيعود الخوف،
وستعود المضايق... إلى ضيقها.
