ليست قوة الجنوب في الجغرافيا وحدها، ولا في عدالة القضية وحدها، بل في قدرته على تحويل هذه العدالة إلى وعي سياسي جامع، وحوار مسؤول، وتوافق وطني يحفظ الإنسان والأرض والمستقبل.
فالحوار الجنوبي–الجنوبي ليس ترفًا سياسيًا، ولا مناسبة عابرة لتبادل المجاملات، بل هو ضرورة تاريخية تمليها تجربة الجنوب بكل ما حملته من آمال وانكسارات ودروس. فقد علّمتنا المراحل الصعبة أن القضايا العادلة قد تُضعفها الانقسامات، وأن الشعوب التي لا تبني تفاهماتها الداخلية بوعي ومسؤولية، تترك مستقبلها مفتوحًا لتدخل الآخرين وحساباتهم.
إن التقارب الجنوبي لا يعني إلغاء التعدد، ولا فرض رأي واحد على الجميع، بل يعني الاعتراف بأن الجنوب يتسع لكل أبنائه ومناطقه ومكوناته، وأن الاختلاف إذا أُدير بالحكمة صار مصدر قوة، وإذا تُرك للخصومة صار مدخلًا للإنهاك والتشظي. فالوحدة الحقيقية ليست في تطابق المواقف، بل في الاتفاق على قواعد جامعة: احترام الإنسان، وصون السلم الأهلي، وحماية القضية، وبناء مؤسسات قادرة على حمل المستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإننا لسنا ضد أي صيغة عادلة ضمن التوافق الجنوبي الجنوبي تنصف القضية الجنوبية، وتعترف بخصوصيات المحافظات، وتحفظ وحدة النسيج الجنوبي، وتمنع احتكار التمثيل أو الثروة أو القرار. لكن الأهم أن تقوم أي صيغة على توافق جنوبي حقيقي، وضمانات دستورية واضحة، وتوزيع عادل للموارد، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار والتنمية، حتى لا نعيد إنتاج الانقسام بأسماء جديدة.
إن اللحمة الجنوبية هي شرط الاستقرار، والاستقرار هو بوابة التنمية، والتنمية هي المعنى العملي لأي مشروع سياسي. فلا سلام مستدام بلا مجتمع متماسك، ولا اقتصاد ناهض بلا بيئة آمنة، ولا استثمار حقيقي في ظل انقسام وقلق وغياب ثقة. لذلك فإن الحوار ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو أساس لبناء الدولة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح الطريق أمام التعليم والعمل والخدمات والاستثمار وحياة كريمة للناس.
والجنوب، وهو يتطلع إلى مستقبل آمن وعادل، يحتاج اليوم إلى عقل جماعي يقدّم الحكمة على الانفعال، والمصلحة العامة على المكاسب الضيقة، والتوافق على منطق الغلبة. فاللحظة الراهنة لا تحتمل ترف القطيعة، ولا تسمح بإعادة إنتاج أخطاء الماضي، بل تستدعي شجاعة أخلاقية وسياسية تقول إن الجنوب لا يُبنى إلا بكل أبنائه، ولا ينتصر إلا حين يتحول الحوار إلى ثقافة، والتقارب إلى مشروع، واللحمة إلى ضمانة للسلام والاستقرار والتنمية.
إن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من رفع الشعارات، بل من بناء الثقة. والثقة لا تُبنى إلا بحوار صادق، وإنصاف متبادل، واعتراف بالتنوع، وإرادة جادة في أن يكون الإنسان الجنوبي هو جوهر السياسة وغايتها. وحين يلتقي الجنوبيون على هذه القاعدة، يصبح الحوار قوة، والوحدة وعيًا، والمستقبل ممكنًا.
نائب وزير الصناعة والتجارة
