في اليمن، كما في كثير من المجتمعات التي عاشت أزمات طويلة ومركبة، نشأ نمط من التفكير يمكن رصده بسهولة في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي النقاشات العامة على حد سواء.
نمط يقوم على توصيف المشكلات أكثر مما يقوم على البحث عن مخارج لها، وعلى استعراض أسباب الإخفاق أكثر مما يقوم على مناقشة سبل تجاوزه.
ففي كل أزمة تقريباً تتدفق التحليلات والتفسيرات والاتهامات، وتتعدد الروايات حول أسباب التراجع، وتتزاحم التبريرات التي تحاول تفسير الواقع القائم.
فهناك من يردّ أزمات البلاد إلى عوامل ثقافية واجتماعية متجذرة، كالقات، وآخرون يبحثون عن تفسيرات تاريخية أو دينية، كدعوة قوم سبأ الواردة في سورة سبأ بالقران الكريم.
وبين هذا وذاك، يتحول النقاش أحياناً إلى عملية لا تنتهي من تفصيل المشكلة، بينما يظل السؤال الأهم غائباً: ما الذي يمكن فعله؟
لا يكاد يمر حدث سياسي أو اقتصادي أو خدمي دون أن تتصدر مشهد النقاش موجة واسعة من الاستنكار والتنديد.
الجميع تقريباً يجيد وصف الأزمة، والجميع قادر على شرح حجم الخسائر وتعداد أسبابها، والجميع قادر على الإدانة والاستنكار، لكن عدد المشاركين في نقاش الحلول يظل أقل بكثير من عدد المشاركين في توصيف المأساة.
سواء تعلق الأمر بأزمة الكهرباء أو الرواتب أو الخدمات أو الاقتصاد بشكل عام، غالباً ما يتوقف النقاش عند حدود الشكوى، وكأن التعبير عن الغضب أصبح هو الغاية وليس الوسيلة للحل.
وحتى عندما ينتقل الحديث إلى الحلول، تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية؛ فكثير من المقترحات تُطرح بمعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم، تُبنى على افتراضات مثالية أكثر مما تُبنى على الإمكانات المتاحة، فتتحول من مشاريع قابلة للتنفيذ إلى أمنيات يصعب ترجمتها إلى سياسات أو إجراءات عملية.
وهكذا ينحصر النقاش في كثير من الأحيان بين اتجاهين متناقضين: اتجاه الأغلبية الذي يكتفي بوصف الأزمة والتذمر منها، واتجاه آخر يقفز مباشرة إلى المطالبة بحلول شاملة وكاملة لا تملك فرصة حقيقية للتطبيق.
وبين الطرفين يغيب التفكير الواقعي الذي يشكل في العادة نقطة البداية لأي عملية إصلاح ناجحة.
تكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يعطل الحلول فحسب، بل يعطل أيضاً الطريقة التي يفكر بها المجتمع؛ فحين تصبح الشكوى ممارسة يومية، وتصبح المطالب غير الواقعية هي السقف الوحيد المقبول للنقاش، ينشأ نوع من الشلل الجماعي الذي يجعل التقدم أكثر صعوبة.
والحقيقة أن أي مشكلة، مهما بلغت درجة تعقيدها، لا يمكن التعامل معها دون ثلاثة شروط أساسية: الاعتراف بالواقع كما هو، ثم تشخيصه بدقة، ثم البحث عن بدائل قابلة للتطبيق ضمن الإمكانات المتاحة.
فالتقدم لا يبدأ بإنكار المشكلات، كما لا يبدأ بالأحلام الكبرى المنفصلة عن الواقع، بل يبدأ بفهم دقيق للموارد المتوفرة، والقيود القائمة، والمساحة الممكنة للحركة داخل هذا الواقع.
ولهذا لا تختلف المجتمعات الناجحة عن غيرها في قدرتها على رؤية الأخطاء، وإنما في الطريقة التي تناقش بها تلك الأخطاء، فهي لا تكتفي بالسؤال عن المسؤول عن المشكلة، بل تطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية:
ما الخطوة التالية؟ ما الخيارات المتاحة؟ ما العقبات القائمة؟ وما البدائل الممكنة لتجاوزها؟
وبلادنا اليوم بحاجة إلى هذا التحول الفكري أكثر من حاجتها إلى المزيد من بيانات التنديد أو الخطابات الغاضبة.
بحاجة إلى الانتقال من عقلية اجترار الأزمة إلى عقلية إدارتها، ومن التركيز على ما حدث إلى التركيز على ما يمكن فعله.
ولعل التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالاً واضحاً على هذا الفرق.
ففي عام 1945 خرجت اليابان من الحرب منهكة ومدمرة. كانت مدن كاملة قد تحولت إلى أنقاض، وتعرضت هيروشيما وناغازاكي لأول استخدام للسلاح النووي في التاريخ. فقدت البلاد ملايين الضحايا، وتعرض اقتصادها لانهيار شبه كامل، وبدا مستقبلها آنذاك أكثر قتامة مما يمكن لكثيرين تصوره.
وكان لدى اليابانيين من الأسباب ما يكفي للعيش لعقود طويلة في خطاب المظلومية والشكوى لو أرادوا ذلك، لكن ما حدث كان مختلفاً. فبدلاً من تحويل الكارثة إلى تفسير دائم لكل إخفاق لاحق، انتقلوا تدريجياً من سؤال: “لماذا حدث لنا هذا؟” إلى سؤال أكثر عملية: “ما الذي ينبغي أن نفعله الآن؟”.
ذلك التحول في طريقة التفكير كان نقطة البداية الحقيقية لعملية إعادة البناء. لم يكن الطريق سهلاً أو سريعاً، لكنه كان قائماً على التركيز المستمر على الحلول الممكنة بدلاً من الدوران الدائم حول المأساة. وخلال عقود قليلة أصبحت اليابان واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية في العالم.
الدرس هنا لا يتعلق باليابان وحدها، بل بطريقة تعامل المجتمعات مع الأزمات؛ فالتقدم لا يبدأ عندما يتفق الجميع على حجم المشكلة، بل عندما يبدأ النقاش الجاد حول كيفية التعامل معها. ولا يتحقق عبر تكرار الشكوى أو رفع سقف الأمنيات، وإنما عبر الاعتراف بالواقع، وفهم حدوده، والعمل داخله بخطوات متدرجة وقابلة للتنفيذ.
لقد أثبتت التجارب أن كثرة الصراخ لا تقرب الحل بالضرورة، وأن تكرار التنديد لا يصنع التغيير. أما التقدم الحقيقي فيبدأ عندما يصبح السؤال المركزي في أي نقاش عام: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟
فالأمم لا تنهض بمن يتقنون وصف الجرح فقط، بل بمن يمتلكون القدرة على تشخيصه، ثم الشجاعة اللازمة لعلاجه.
