ليس كل صوت يقال عنه جميل، وليس كل غناء يختصر في لحن وكلمات… هناك أصوات تشبه البيوت القديمة، كلما اقتربت منها شعرت أنك تعرفها منذ زمن، حتى وإن كانت هذه هي المرة الأولى التي تطرق بابها.
هكذا هو عبد الباسط عبسي.. صوت لا يأتيك من الخارج، يخرج من روحك.
حين نستمع إليه، إلى أغانيه، تعاد بنا الذاكرة إلى الطفولة، إلى الأرض، إلى القرية، إلى الحب والشجن والسفر والعودة والعتاب، يعاد بنا إلى ظهيرة قروية هادئة.
صوته لا يشبه الأصوات التي تمر، بل هو من الأصوات التي تبقى… وتترسب فينا كطبقة خفية من الحنين.
إنه يعيد ترتيب الشعور.. من أول موال تسمعه له، تشعر أن الكلمات منزوعة من قلب عاشها.
عندما قال: يا رب حتى الطيور قد ملت الأوكار.. كانت نافذة على وحدة شفافة، على إنسان يحادث السماء لأنه لم يجد من ينصت له على الأرض.
ذلك الصوت الذي كنا نسمعه في أجهزة بسيطة، في ليال مقمرة، فوق أسطح البيوت الطينية… كان درسا مبكرا في الإحساس، ومرآة صغيرة نرى فيها أنفسنا دون أن ننتبه.
وفي عالم الفن، هناك من يجيد الغناء، وهناك من يتقن الأداء، لكن باسط ينتمي إلى فئة أخرى…
فئة الذين يجعلونك تشعر أنك جزء من الأغنية، لا مستمعا لها فقط.
حين يقول:
وقمري غرد…
لا تسمع اللحن فقط، بل ترى القمر، وتشعر ببرد الليل، وتسمع ارتجاف القلب وهو يخفي شوقه.
وحين يلامس الحزن: مسعود هجر… لا يكون الغناء وصفا، بل موقفا… انحيازا واضحا للإنسان، للغائبين، للمغتربين، وللقلوب التي تعبت من الانتظار.
ما يميز باسط أنه لم يكن صوتا للغناء، إنما صوت للحياة اليمنية ورسالة بكل تفاصيلها. في أغانيه رائحة القات، ودفء الشاي، وظلال الأشجار، ولهجة الحجرية، ووجع الغربة، وحنين المواسم.
كان يعرف كيف يغني للأرض، وكيف يجعل الأرض تغني من خلاله.
وعندما وصل إلى أغنية “حنين القلب يا سلمى”… فهو لا يغني لامرأة، بل لذاكرة كاملة من الحب البسيط، الحب الذي لا يعرف التكلف، ولا يحتاج إلى لغة معقدة… يكفيه صدق القلب.
الأجمل في عبدالباسط عبسي… أنه لم يكن صوتا منفصلا عن الناس، بل امتدادا لهم.
كنا نسمعه في صوت الأب، في جلسات الأصدقاء، في أعراس القرى، في لحظات الوحدة… حتى أصبح صوته جزءا من حياتنا اليومية، كأنه فرد من العائلة.
ارتبط بصوت الآباء، فصار إرثا… وارتبط بالذاكرة، فصار هوية.
وهناك في صنعاء، حيث يستريح قليلا من تعب الجسد، دون أن يتعب صوته في قلوبنا، قلبه ما يزال ينبض بحبكم، ووفاؤه لم ينقطع، كما لم ينقطع صوته يوما عن ملامسة أرواحكم.
ذلك العبسي… المعجون بتراب هذه الأرض، المفتون بتفاصيل تضاريسها، الهائم عشقا بالمطر والسيل، بإشراقات الشمس، وصفاء الليالي القمراء…
